مقالات الرأي
أخر الأخبار

الطابور الخامس:سِر التسمية،،وتسمية السِر ✍🏻 علي الفاتح الزبير

*الطابور الخامس*: البنية الخفية للحروب غير التقليدية:

 

 

في ظل التحولات الجذرية التي شهدها مفهوم الحرب خلال القرن العشرين، ظهر مصطلح “الطابور الخامس” كإشارة إلى الجبهة الخفية التي تخوض معاركها في صمت، بعيدًا عن صخب المدافع وصليل السيوف.

لكن ما الذي يعنيه حقًا هذا المصطلح؟ وكيف تحول من وصف عسكري عابر إلى مفهوم جوهري في دراسات الأمن القومي والحرب النفسية؟

 

*الجذور المفاهيمية للطابور الخامس*:

 

صِيغٓ مصطلح “الطابور الخامس” خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936–1939) على لسان الجنرال القومي إميليو مولا.

حين أعلن أن أربعة طوابير عسكرية تتقدم نحو مدريد، بينما يعمل *”الطابور الخامس”* داخل المدينة نفسها تمهيدًا لسقوطها.

لقد حدد مولا بوضوح أن الحروب لا تحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تفتيت الجبهة الداخلية للخصم وزرع الشك والفوضى بين صفوفه.

 

منذ تلك اللحظة، تجاوز المصطلح معناه الحرفي ليشير إلى كل نشاط سري يستهدف وحدة المجتمع ومناعته.

 

*الطابور الخامس* كأداة استراتيجية

 

في المفهوم العسكري الحديث، ينتمي الطابور الخامس

إلى ما يعرف بـ”الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare)، حيث تتداخل العمليات العسكرية التقليدية مع أنشطة تجسسية، إعلامية، واقتصادية تهدف إلى إضعاف الخصم دون مواجهة مفتوحة.

 

*يتضمن عمل الطابور الخامس*:

 

التجسس وجمع المعلومات الحيوية.

 

الترويج للدعاية السوداء ونشر الشائعات.

 

خلق انقسامات داخلية على أسس سياسية أو عرقية أو دينية.

 

اختراق البنى الاقتصادية والثقافية للدولة.

 

 

إنه فعل يستثمر ضعف الحصانة الوطنية أكثر مما يعتمد على السلاح، ويعتمد على تحريك الأفراد والجماعات من الداخل بدلًا من فرض السيطرة بالقوة.

 

*أمثلة تاريخية بارزة*:

 

الحرب العالمية الثانية: شبح النازيين الخفي

 

خلال الحرب العالمية الثانية، استُخدم مصطلح الطابور الخامس على نطاق واسع.

خشي البريطانيون من وجود خلايا نازية داخل المجتمع البريطاني تمهد لغزو ألماني محتمل.

 

أنشئت شبكات مراقبة خاصة لرصد “الخونة المحتملين”.

 

وفرضت قوانين صارمة على الإذاعة والنشر لضبط الخطاب العام ومنع الاختراقات الفكرية.

 

 

في الولايات المتحدة، أدى الخوف من الطابور الخامس إلى إجراءات كارثية بحق المواطنين الأمريكيين من أصل ياباني، حيث احتُجزوا جماعيًا في معسكرات رغم غياب الأدلة القاطعة على خيانتهم.

 

الحرب الباردة: الشيوعيون في الداخل

 

مع احتدام الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، أصبحت تهمة الانتماء للطابور الخامس سلاحًا سياسيًا خطيرًا.

 

في أمريكا، قاد السيناتور جوزيف مكارثي حملات اتهام واسعة ضد المسؤولين والفنانين والمثقفين، زاعمًا تسلل الشيوعيين إلى مؤسسات الدولة.

 

في أوروبا الشرقية، وظف الطابور الخامس عبر دعم حركات معارضة، وتأجيج النزاعات العرقية والدينية.

 

 

لقد أدركت القوى الكبرى أن ضرب تماسك المجتمعات من الداخل قد يكون أكثر فعالية وأقل تكلفة من شن حروب تقليدية مكلفة.وهذا ما حدث بالسودان..

 

*الطابور الخامس في السياقات العربية*:

 

في العالم العربي، خاصة خلال فترات ما بعد الاستعمار وبناء الدولة الوطنية، أصبح مصطلح الطابور الخامس ملازمًا لكل اتهام بالتآمر مع الخارج.

 

خلال حروب فلسطين والخليج، وُجهت اتهامات واسعة لجهات سياسية وإعلامية بأنها تخدم “طوابير خامسة” تسعى لإضعاف الموقف العربي.

 

في الربيع العربي، طُرح المفهوم مجددًا بشكل أكثر تعقيدًا، حيث اختلطت الاتهامات بين قوى محلية وأجنبية تتنافس على النفوذ وإعادة تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة.

 

 

*من الطابور الخامس إلى الحروب الرمادية*:

 

في عالم اليوم، تطور مفهوم الطابور الخامس بصورة مذهلة. لم يعد يقتصر على العملاء والجواسيس التقليديين، بل أصبح يشمل:

 

حملات التأثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

اختراق شبكات المال والأعمال.

 

شن هجمات سيبرانية تستهدف تعطيل البنى التحتية الحيوية.

 

 

إنه جزء من الحروب الرمادية (Grey Zone Warfare)، حيث تصبح الحدود بين الحرب والسلام ضبابية، والمعركة الحقيقية تُخاض على الوعي العام والسيادة السيبرانية والاقتصاد العالمي.

 

*خاتمة*:

الخطر الذي لا يُرى:

 

يبقى الطابور الخامس أخطر من الجيوش الجرارة، لأنه يضرب الثقة الوطنية في الصميم، ويهدم مناعة المجتمعات من الداخل.

وفي عالم مترابط وشديد التعقيد كما اليوم، فإن بناء الوعي الوطني، وتعزيز الشفافية، وتحقيق العدالة الاجتماعية تمثل خط الدفاع الأول ضد هذا العدو الخفي.

 

في النهاية، لا تسقط الأمم تحت الضربات الخارجية بقدر ما تنهار تحت وطأة خيانات الداخل.

 

ولنا عودة إن امدّٓ الله في الآجال..

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام