وداعاً أيها النبيل د. كمال عثمان ، لقد بكت السليم على فقدك ، و أشفقت دنقلا من بكائها – همس الحروف – ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

ما أقسى هذه الدنيا ، تمضي و كأن شيئاً لم يكن ، لا تهتم بما تحدثه علينا ، فحينما تدر ظهرها لا تلتفت إلينا ، و كأن قلبها من حجر أصم ، لا يلين لدمعة و لا يحن لذكرى ، فاليوم اخططفت من بيننا أنبل الرجال و أفضلنا ، فتتركنا على عتبات الذهول نقف و نكرر الإلتفات يمنةً و يسرى (حيرة) ، نتلمس وجهاً عزيزاً نحبه و يحبنا ، فغيبته بيننا ، و ظللنا نبحث عن صوته الحنين الذي إعتدنا عليه ليطمئننا بأن الدنيا ما زالت بخير ، فما عادنا نسمعه إلا في الذاكرة .
رحل د. كمال عثمان محمد صالح ، فانطفأت برحيلة شمعة من شموع منطفة السليم ، و قنديلاً من قناديل الخير في الولاية الشمالية ، فإنحنت لذلك دنقلا حزناً لفراقه الذي باغتنا ، و سكت الوسط الرياضي وقوفاً أمام غياب قامة عزيزة على بلادنا .
كان اللقاء به دائماً يمثل طقساً من طقوس الكرم السوداني الأصيل ، فلا يقابلك إلا بابتسامتة الدافئة التي تشعرك بأنك تعرفه منذ ألف عام ، و إن لم تكن قد التقيت به من قبل ، إنه رجل إذا دعاك إلى مائدته ، دعاك بروحه لا بلسانه ، و إذا أجلسك بين أهله ، جعلك فرداً عزيزاً على قلبه لا من ضيوفه .
في أواخر أيام رمضان المنصرم ، هاتفني د . كمال عثمان بصوته المألوف الذي يحمل دفء الدعوة و صدق النية ، و ألحّ عليّ أن أشاركه الإفطار في إحدى جلساته العامرة بالسليم ، تلك المجالس التي يعطرها الكرم الحاتمي الأصيل ، و تزدهر دائما مجالسه بالحضور الأنيق الذي يزينه بحضور شخصيته المميزة ، غير أنني و بتقدير الظروف ، اعتذرت له بلطف ، إذ كنت قد قطعت وعداً مسبقاً مع وزير الثقافة و الإعلام ، السيد الأستاذ الباقر عكاشة لرفقته في الإفطار ، دون أن أعلم حينها إلى أين تمضي بنا وجهة ذلك اللقاء .
و يا للمقادير و حسن الصدف ، إذ بالقدر يجمعنا جميعاً في ذات المكان الذي دعاني إليه د. كمال ، وكأن الأيام أرادت أن يكمتل المشهد بلقائنا كما رسمته الأقدار ، لا الخطط ، فالتقينا على مائدة واحدة ، و حينها إبتسم كمال ابتسامته الرحبة المعروفة عنه ، و شكرني على حضوري كما لو كنت قد لبيت دعوته عن قصد ، لا عن تدبير الغيب ، فسترني الله معه بذلك اللقاء ، وسترني كذلك بالحب الذي جمعنا به خالصاً في الله و لله ، و كان ذلك في لحظة صدق لن تتكرر ، فوجدت نفسي وجهاً لوجه أمام هذا الرجل الذي أقل ما يوصف به (رجل عجيب) ، فضحك ملء قلبه ، وقال بشكر صادق ، (شكراً لك يا أخي ، لأنك فضّلت دعوتي لك على موعدك الآخر) . و لم يكن يعلم أنني كنت أكثر سعادة منه ، لأن الله أكرمني بلقائه و شرفني بمجالسته و موانسته في تلك الليله الرمضانية .
كان يقف على ضيافتنا بنفسه ، و من حرصه يكاد أن يدخل اللقمة في أفواه ضيوفه ، و كان يجعل من الكرم كائن حي يسري في دمه ، فهو لا يرتاح إلا إذا أحس براحة ضيوفه ، و كم كان فرحاً بلقائنا ، فكان كالطفل الرضيع الذي يلتقي بأمه بعد غياب طويل .
و في مساء يوم أمس ، يفاجئني هاتف ليخبرني بأن كمال قد رحل عن دنيانا الفانية ، و هكذا وردني الخبر بدون مقدمات كالصاعقة تماماً … سكت لساني ، و تعلثمت كلماتي ، و صرت أهمهم بلا وعي ، و تكلمت دموعي ، و أحسست بفراغ لا يُملأ ، و غياب لا يُعوض ، و لكن الموت حق ، ونحن لا نملك إلا أن نسلّم بقضاء الله و قدره ، و نردد بقلوب واجفة (إنّا لله و إنّا إليه راجعون … و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم) ، فوداعاً أخي د. كمال ، ستظل فينا ما حيينا ، و سنذكرك كلما مررنا بجسر السليم ، إذ يلوح لنا بستانك الوارف الجميل ، و كأنه يودع المغادرين من دنقلا ويستقبل القادمين إليها ، شاهداً على حضورك البهي ، و كرمك الفياض الذي لا يزول بغياب الجسد ، فستبقى في الذاكرة كما لو كنت في الحياة نبيلاً ، و أثرك لن ينساه أحداً من أصدقائك ، ولا نذكرك فقط حين نحتاج إلى رجل كريم ، و مضياف ، و سخي ، و لكن ستكون حاضراً بيننا بروحك كلما أردنا أن نعيد تعريف النبل ، و الجود ، و الكرم الحاتمي الأصيل .
أسأل الله أن يرحمه برحمة الواسعة ، و أن يتقبله في عليين ، و أن يجعل الفردوس الأعلى مستقره و مأواه ، و كما نسأله أن يحيط بلطفه و برحمته جميع أهله ، و محبيه ، و كل من يعرف فضله ، وأن يلهمهم الصبر الجميل و السلوان ، و أن يعوضهم خيراً ، وأن يجزى كل من شهد له بالخير خير الجزاء ، و إنا لله و إنا إليه راجعون .. و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .





