مقالات الرأي
أخر الأخبار

التنوع الثقافي في سودان ما بعد الحرب: مفتاح التعافي وإعادة الإعمار – شئ للوطن – ✍️ م. صلاح غريبة

يُعدّ اليوم الدولي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، الذي يُحتفل به في 21 مايو من كل عام، مناسبةً عالميةً لتسليط الضوء على الدور المحوري للثقافة في نسج نسيج عالمي أكثر سلامًا وازدهارًا. إنه دعوةٌ صريحةٌ للاحتفاء بالاختلافات الثقافية لا عوائق، بل كقوة دافعة للتنمية والابتكار، و محركات للحوار البنّاء الذي يعزز التفاهم المتبادل. في هذا المقال، نتعمق في أهمية هذا اليوم، مع التركيز بشكل خاص على السياق السوداني ما بعد الحرب، ودور اقتصاديات الثقافة والإعلام في تحقيق هذه الأهداف السامية.

لطالما كانت الثقافة، بتعريفها الواسع الذي يشمل الفنون، العادات، التقاليد، القيم، والمعتقدات، هي المرآة التي تعكس حضارة الأمم والشعوب. إنها ليست مجرد زينة تضاف إلى حياة الناس، بل هي جوهر وجودهم، ووعاء يحمل تاريخهم وتطلعاتهم. في عالم يتسم بالترابط المتزايد، يصبح التنوع الثقافي ثروة لا تقدر بثمن. فكل ثقافة تحمل في طياتها رؤى فريدة، حلولًا مبتكرة، وطرقًا مختلفة للتفكير والتعامل مع التحديات. إن احترام هذه الاختلافات والاعتراف بقيمتها هو الخطوة الأولى نحو بناء جسور التفاهم والتعاون.

إن الحوار الثقافي، المدفوع بهذا الاحترام، هو الأداة الأقوى لتجاوز الصور النمطية، وتبديد سوء الفهم، وبناء الثقة بين الشعوب. عندما تتحاور الثقافات، فإنها لا تتبادل فقط الأفكار والخبرات، بل تكتشف نقاط التشابه التي توحدها، وتتعلم من نقاط الاختلاف التي تثريها. هذا الحوار هو الأساس لأي عملية تنمية مستدامة، لأنه يضمن أن الحلول المقترحة تتناسب مع السياقات المحلية، وتراعي خصوصيات المجتمعات، وتستفيد من معارفها المتراكمة.

يُعدّ السودان، بفسيفسائه الثقافية الغنية والمتنوعة، نموذجًا حيًا لأهمية التنوع الثقافي في بناء السلام والتعافي بعد الصراعات. فبعد سنوات من الحروب والاضطرابات، أصبح التنوع الثقافي قوة يمكن أن توحد الشعب السوداني وتعيد بناء نسيجه الاجتماعي الذي تمزق بفعل النزاعات. إن الاحتفاء بالتنوع القبلي، اللغوي، الديني، والفني في السودان يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع.

إن عملية التعافي وإعادة الإعمار في السودان يجب أن تركز على استثمار هذا التنوع الثقافي كرافعة للحوار والتنمية. وهذا يتطلب تعزيز الهوية الثقافية المشتركة من خلال الفنون، الأدب، الموسيقى، والفعاليات الثقافية المشتركة التي تسلط الضوء على القواسم المشتركة بين مختلف الثقافات السودانية، مع الاحتفاء بفرادتها، ودعم الحوارات المجتمعية بتشجيع النقاشات المفتوحة حول التحديات الثقافية، وتجاوز الخلافات، وتطوير رؤى مشتركة للمستقبل.

دمج البعد الثقافي في خطط التنمية بضمان أن تكون المشاريع التنموية حساسة ثقافيًا، وتحترم العادات والتقاليد المحلية، وتستفيد من المعارف التقليدية، مع الحفاظ على التراث الثقافي بحماية المواقع الأثرية، المخطوطات، الفنون التقليدية، واللغات المحلية، كجزء لا يتجزأ من الهوية السودانية و كبوابة للتعرف على تاريخ البلاد وتراثها.

لا يقتصر دور الثقافة على البعد الاجتماعي والسياسي، بل يمتد ليشمل البعد الاقتصادي بشكل حيوي. “اقتصاديات الثقافة” هو مصطلح يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالثقافة، من الفنون التشكيلية والموسيقى والأدب إلى الصناعات الإبداعية والتراث الثقافي. إن هذه الصناعات لديها القدرة على خلق فرص عمل، توليد الدخل، وتحفيز الابتكار.

في السياق السوداني، يمكن أن تلعب السياحة الثقافية دورًا محوريًا في عملية التعافي وإعادة الإعمار. يمتلك السودان ثروة هائلة من المواقع الأثرية التي تعود إلى حضارات قديمة مثل حضارات كوش والحضارات النوبية، وتراثًا فنيًا غنيًا. يمكن لهذه المقومات، إذا ما استُثمرت بشكل صحيح، أن تجذب السياح من جميع أنحاء العالم، مما يسهم في بتوليد العملات الأجنبية وتوفير مصدر دخل جديد للدولة والمجتمعات المحلية، وخلق فرص عمل في قطاعات الضيافة، النقل، الفنون والحرف اليدوية، والخدمات السياحية، وتمويل الحفاظ على التراث بتوجيه جزء من العائدات نحو صيانة وترميم المواقع الأثرية والمحافظة على الفنون التقليدية، بجانب تعزيز الصورة الإيجابية للسودان مع تقديم صورة مختلفة عن البلاد تتجاوز الصراعات، وتبرز غناها الثقافي والتاريخي.

لتحقيق ذلك، يتطلب الأمر استراتيجيات واضحة لتطوير البنية التحتية السياحية، تدريب الكوادر البشرية، وتسويق الوجهات الثقافية السودانية بفاعلية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

لا يمكن الحديث عن التنوع الثقافي والحوار والتنمية دون تسليط الضوء على الدور المحوري للإعلام. فالإعلام، بجميع أشكاله (المطبوع، المسموع، المرئي، والرقمي)، يمتلك قوة هائلة في تشكيل الرأي العام، ونشر الوعي، وتعزيز التفاهم بين الثقافات.

فيما يتعلق باليوم الدولي للتنوع الثقافي، يمكن للإعلام أن يلعب أدوار منها التعريف بأهمية التنوع الثقافي وتوضيح مفهوم التنوع الثقافي، وفوائده على المستويات الفردية والمجتمعية والوطنية، وتسليط الضوء على قصص النجاح بعرض أمثلة مبادرات ثقافية ناجحة تعزز الحوار والتنمية، سواء في السودان أو في دول أخرى.

مكافحة الصور النمطية السلبية بتحدي المفاهيم الخاطئة والتحيزات الثقافية من خلال تقديم معلومات دقيقة وموضوعية، وتشجيع التبادل الثقافي والترويج للفعاليات الفنية والثقافية، والتعريف بالفنانين والمبدعين من مختلف الخلفيات الثقافية، وفتح منصات للحوار بتوفير مساحات إعلامية للنقاشات البناءة حول قضايا التنوع الثقافي، وتحدياته، وفرصه ودعم السياحة الثقافية والترويج للوجهات الثقافية، والتعريف بالتراث الثقافي الغني للسودان، وتشجيع الزيارات.

في السياق السوداني ما بعد الحرب، يجب على الإعلام أن يتبنى خطابًا بناءً، يركز على الوحدة في التنوع، ويعزز قيم التسامح والقبول المتبادل. يجب أن يكون الإعلام أداة لتضميد الجراح، لا تأجيجها، وأن يسهم في بناء مستقبل يرى فيه السودانيون اختلافهم الثقافي مصدر قوة وتماسك.

إن اليوم الدولي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية هو تذكير بأن الثقافة ليست مجرد رفاهية، بل هي ضرورة حتمية لتحقيق السلام والازدهار. في السودان، وبعد مرحلة التعافي من الحرب، يمثل التنوع الثقافي فرصة ذهبية لبناء مستقبل أفضل، قائم على التفاهم، والتعاون، والاستثمار في الإبداع البشري. من خلال الاحتفاء باختلافاتنا، وتوسيع آفاق الحوار، واستثمار اقتصاديات الثقافة والسياحة الثقافية، ودعم دور الإعلام البناء، يمكننا أن نبني عالمًا أكثر سلامًا، وأكثر ازدهارًا، وأكثر إنسانية، حيث يكون التنوع الثقافي هو المحرك الحقيقي للتقدم.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام