مقالات الرأي
أخر الأخبار

يوم أفريقيا: السودان في قلب القارة… تحديات وفرص نحو وحدة – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في الخامس والعشرين من مايو كل عام، تحتفل القارة الأفريقية بيومها المجيد، يوم الوحدة والتحرر، يوم تذكر فيه الدول الأفريقية كفاحنا المشترك ضد الاستعمار، وتطلعاتها نحو مستقبل يسوده السلام، الازدهار، والتكامل. في هذه المناسبة، يصبح من الأهمية بمكان أن نتوقف عند العلاقة السودانية الأفريقية، تلك العلاقة المتجذرة تاريخياً وجغرافياً، والتي تشهد اليوم تحديات جسام، لكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها فرصاً هائلة للارتقاء والتعاون.

لا يمكن فصل السودان عن محيطه الأفريقي. فهو جسر يربط بين شمال القارة وجنوبها، وقلب ينبض بتنوع ثقافي وعرقي يجسد روح أفريقيا الحقيقية. لطالما كان السودان فاعلاً أساسياً في المنظمات الإقليمية والقارية، وشريكاً في قضايا التحرر والتنمية الأفريقية. ولكن اليوم، ومع الأسف الشديد، يواجه السودان حرباً طاحنة تمزق نسيجه الاجتماعي وتعيق مسيرته نحو الاستقرار. هذا الوضع، الذي يثير قلقاً بالغاً في جميع أنحاء القارة، يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن لأفريقيا أن تساعد السودان في تجاوز محنته؟ وكيف يمكن للسودان، بدوره، أن يستعيد مكانته كشريك قوي وفاعل في مسيرة القارة نحو التكامل؟

إن تعزيز العلاقة السودانية الأفريقية يتطلب نهجاً شاملاً ومتعدد الأبعاد، يرتكز على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، فمن ناحية الدعم السياسي والدبلوماسي، يجب على المنظمات الأفريقية، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي، أن تواصل دورها النشط في دعم الحل السياسي للأزمة السودانية. يتطلب ذلك ضغطاً دبلوماسياً مستمراً على أطراف النزاع لوقف الاقتتال والجلوس إلى طاولة المفاوضات. كما ينبغي تعزيز دور الآليات الأفريقية للوساطة وحل النزاعات، وتقديم الخبرات اللازمة لمساعدة السودان في بناء سلام دائم، وفي ظل الأزمة الإنسانية الطاحنة التي يمر بها السودان، يجب على الدول الأفريقية الشقيقة، والمنظمات الإنسانية الأفريقية، تكثيف جهودها الإنسانية والتنموية لتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين. على المدى الأطول، يمكن لأفريقيا أن تساهم في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية في السودان، وتبادل الخبرات في مجالات مثل الأمن الغذائي، التعليم، والصحة.

ينبغي تشجيع برامج الحوار والتبادل الثقافي، الفني، والرياضي بين السودان والدول الأفريقية الأخرى. هذه التبادلات تساهم في بناء جسور التفاهم والتقارب بين الشعوب، وتعزز الهوية الأفريقية المشتركة، وتحد من الصور النمطية السلبية، وتسهيل حركة الأفراد والسلع والعمل على إزالة الحواجز البيروقراطية والجمركية لتسهيل حركة الأفراد والسلع بين السودان ودول الجوار الأفريقية. هذا من شأنه أن يعزز الروابط الاقتصادية والتجارية، ويخلق فرصاً جديدة للنمو.

تثار أحياناً اتهامات لبعض الدول الأفريقية بتاجيج ودعم الحرب في السودان. هذه الاتهامات، سواء كانت مبنية على حقائق أو مجرد شكوك، تضر بشكل كبير بالوحدة الأفريقية وتعرقل جهود إحلال السلام. تتطلب معالجة هذه الإشكاليات.

يجب على الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية أن تأخذ هذه الاتهامات على محمل الجد، وأن تجري تحقيقات شفافة ومحايدة لتقصي الحقائق. إذا ثبت تورط أي دولة، فيجب اتخاذ الإجراءات اللازمة وفقاً للمواثيق الأفريقية، وبدلاً من الاتهامات المتبادلة، ينبغي تشجيع الحوار المباشر والبناء بين السودان والدول التي تثار حولها هذه الشكوك. هذا الحوار يمكن أن يساعد في تبديد سوء الفهم، ومعالجة المخاوف، وبناء الثقة.

يجب على جميع الدول الأفريقية الالتزام الصارم بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ودعم سيادة السودان ووحدته. أي دعم لأطراف النزاع، عسكرياً أو سياسياً، يقوض جهود السلام، بجانب تطوير وتعزيز آليات الإنذار المبكر التابعة للاتحاد الأفريقي لرصد أي تطورات قد تؤدي إلى تأجيج الصراعات، واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.

يتمتع السودان بموارد طبيعية هائلة وموقع استراتيجي فريد، مما يجعله شريكاً اقتصادياً واعداً لأفريقيا. إن تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي والاستثماري بين السودان وأفريقيا يمثل مفتاحاً لتحقيق الازدهار المشترك بالاستثمار في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، مثل الطرق، السكك الحديدية، وخطوط الكهرباء، التي تربط السودان بالدول الأفريقية المجاورة. هذه المشاريع ستسهل حركة التجارة وتخفض تكاليف النقل.

تشجيع التجارة البينية بين السودان والدول الأفريقية الأخرى من خلال إزالة الحواجز الجمركية والتجارية، وتسهيل الإجراءات، وتوفير المعلومات اللازمة عن الأسواق. يمكن التركيز على المنتجات الزراعية، الثروة الحيوانية، والمعادن التي يتمتع بها السودان.

جذب الاستثمارات الأفريقية إلى السودان في قطاعات متنوعة مثل الزراعة، التعدين، الطاقة المتجددة، والسياحة. في المقابل، يمكن للسودان الاستثمار في دول أفريقية أخرى في مجالات الخبرة التي يمتلكها.

العمل على تطوير سلاسل قيمة إقليمية متكاملة تستفيد من المزايا النسبية لكل دولة. على سبيل المثال، يمكن للسودان أن يكون مورداً رئيسياً للمواد الخام لبعض الصناعات التحويلية في دول أفريقية أخرى.

التعاون في مجالات الطاقة والمياه، ونظراً لموقعه على نهر النيل، يمكن للسودان أن يلعب دوراً محورياً في التعاون الإقليمي في مجال إدارة الموارد المائية والطاقة، بما يحقق المنفعة المتبادلة لجميع دول حوض النيل.

يوم أفريقيا ليس مجرد ذكرى، بل هو تجديد للعهد نحو بناء قارة موحدة، مزدهرة، ومسالمة. إن السودان، وموارده وإمكاناته، بموقعه الجغرافي الفريد، يمثل ركناً أساسياً في هذا الحلم الأفريقي. إن تجاوز السودان أزمته الحالية، وعودته كفاعل قوي في الساحة الأفريقية، هو مصلحة أفريقية عليا. يتطلب ذلك تضافر الجهود، ونبذ الخلافات، والتركيز على ما يجمع بدلاً من ما يفرق. فقط من خلال التعاون الصادق والتكامل الحقيقي، يمكن لأفريقيا أن تحقق تطلعاتها، وأن يكون السودان جزءاً لا يتجزأ من هذه المسيرة المظفرة نحو مستقبل أفضل.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام