مقالات الرأي
أخر الأخبار

ثورة مايو السودانية: قصة صعود وانهيار – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

شهدت المنطقة العربية في القرن العشرين العديد من الثورات والانقلابات، وكان السودان، منذ استقلاله عام 1956، مسرحًا لعدد من هذه الأحداث. من بينها، يبرز انقلاب 25 مايو 1969 الذي قاده المشير جعفر محمد النميري، والذي عُرف لاحقًا بـ “ثورة مايو”. هذه الثورة، أو الانقلاب بحسب تسميات البعض، مثلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ السودان، حاملةً معها آمال التغيير والإصلاح، قبل أن تطويها رياح السياسة وتدهور الأوضاع.

وُلد جعفر محمد النميري في 26 أبريل 1930، وتخرج في الكلية العسكرية السودانية عام 1952، وهو العام ذاته الذي شهد انقلاب الضباط الأحرار في مصر. تأثر النميري بأفكار الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر حول الاشتراكية والوحدة العربية، وشارك في حملات ضد التمرد في جنوب السودان ومحاولات عدة للإطاحة بالحكومات المتعاقبة. بعد تخرجه من كلية قيادة الجيوش في الولايات المتحدة عام 1966، قاد النميري، وهو برتبة عقيد آنذاك، انقلابًا عسكريًا بعد ثلاث سنوات أطاح بالحكومة المدنية برئاسة إسماعيل الأزهري. بعد الانقلاب، رقّى النميري نفسه إلى رتبة مشير، وجمع بين مناصب رئيس الوزراء، ورئيس مجلس قيادة الثورة، ورئيس دولة السودان.

لم يكن انقلاب مايو حدثًا مفاجئًا، بل جاء نتيجةً لتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية في البلاد. فبعد الانتخابات البرلمانية عام 1965، ازداد حنق الأحزاب، وتصاعدت المناوشات بين “الإخوان المسلمين” و”الحزب الشيوعي”، مما أدى إلى طرد نواب الأخير من البرلمان. ورغم حكم المحكمة العليا ببطلان هذه التعديلات، إلا أن الأمور ازدادت تعقيدًا، وتراجعت الديمقراطية.

يشير عزمي بشارة وأحمد أبو شوك في كتابهما “الثورة السودانية (2018-2019)” إلى أن الحكومة البرلمانية المنتخبة آنذاك عجزت عن وضع دستور دائم يلبي تطلعات الشعب، ولم تتمكن من التوصل إلى حل مقنع لمشكلة جنوب البلاد. بدلاً من ذلك، انشغلت بتعديل الدستور وحل الحزب الشيوعي، مما أضاف إخفاقًا آخر إلى سجلها. تفاقمت الصراعات المختلفة، وتدهورت الأوضاع المعيشية والاقتصادية. وفي 23 مايو 1969، أصدرت الأحزاب الحاكمة بيانًا أعلنت فيه الاتفاق على أن يكون الدستور إسلاميًا، والجمهورية رئاسية، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في مطلع عام 1970. أدى هذا الإعلان إلى ازدياد حدة الحرب في الجنوب، وفي ظل هذه الظروف المتأزمة، جاء انقلاب النميري في 25 مايو 1969.

يشير نبيل نجم في كتابه “قصة الأمس” إلى أن انقلاب النميري جرى بالتعاون مع ضباط وطنيين في الجيش السوداني، بينهم شيوعيون، كانوا ضمن مجلس قيادة الثورة. إلا أن النميري سرعان ما اختلف معهم، وأبعدهم عن مراكزهم، وأحال بعضهم إلى التقاعد، ولاحق الحزب الشيوعي السوداني، واعتقل سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب.

استمر حكم النميري 16 عامًا، وشهد أطول هدنة بين المتمردين والحكومة المركزية في الخرطوم، والتي دامت 11 عامًا. كما شهد عهده ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري، الجيش الشعبي لتحرير السودان، وتصاعدت الحرب الأهلية في عهده. تعرض النميري لأكثر من محاولة انقلاب، أبرزها “انقلاب هاشم العطا” في 19 يوليو 1971، الذي أحبطه بنجاح، ومحاولة أخرى بقيادة الضابط حسن حسين في سبتمبر 1975، والتي باءت بالفشل أيضًا.

تعتبر “الشريعة” التي أقرها النميري في نهاية حكمه عام 1983، من أهم أسباب التدهور الذي أودى بنظامه. فبعد رحلة علاج إلى واشنطن في مارس 1985، خرج الناس إلى الشارع بقيادة النقابات والاتحادات والأحزاب، مما أجهد النظام الأمني. أعلن وزير دفاع النظام آنذاك، الفريق عبدالرحمن سوار الذهب، انحياز القوات المسلحة للشعب. عندما كان النميري في الجو عائدًا إلى الخرطوم لإحباط الانتفاضة الشعبية، نصحه معاونوه بتغيير وجهته إلى القاهرة لأن “اللعبة قد انتهت”. لجأ النميري سياسيًا إلى مصر، حيث بقي فيها حتى عاد إلى السودان في 22 مايو 1999.

تبقى ثورة مايو السودانية، بانقلابها ووعودها وتحدياتها ونهايتها، جزءًا لا يتجزأ من تاريخ السودان الحديث، ودرسًا في تعقيدات السلطة والسياسة في المنطقة.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام