
يُعد اليوم العالمي للمترولوجيا، الذي يُحتفل به سنويًا في 20 مايو، تذكيرًا بأهمية القياس الدقيق في جميع جوانب حياتنا. فمن التجارة الدولية إلى الرعاية الصحية والسلامة العامة، لا يمكن لأي مجتمع أن يزدهر دون بنية تحتية مترولوجية قوية وموثوقة. بالنسبة للسودان، الذي يمر حاليًا بفترة حرجة من التعافي وإعادة الإعمار بعد الدمار الذي خلفته الحرب، تكتسب المترولوجيا أهمية مضاعفة، لتصبح ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والنمو المستدام.
إن آثار الحرب في السودان عميقة وواسعة النطاق، فقد دمرت البنية التحتية، وشردت الملايين، وعطلت الأنشطة الاقتصادية بشكل كبير. في ظل هذه الظروف الصعبة، قد تبدو المترولوجيا مسألة ثانوية مقارنة بالاحتياجات الملحة للإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار المادي. ومع ذلك، فإن إهمال هذا الجانب الحيوي سيكون له عواقب وخيمة على المدى الطويل، مما يعيق جهود التعافي ويقوض أسس التنمية المستقبلية.
أهمية المترولوجيا في مرحلة التعافي تتمثل في ضمان جودة المنتجات والخدمات: لتعزيز الثقة في السوق المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية، يجب أن تلتزم المنتجات والخدمات السودانية بمعايير جودة عالمية. المترولوجيا توفر الأدوات والأنظمة اللازمة للتحقق من هذه المعايير، سواء كانت تتعلق بالصادرات الزراعية، أو الأدوية، أو معدات البناء. ودعم الصناعة والتجارة، فالقياسات الدقيقة ضرورية للعمليات الصناعية الفعالة والتجارة العادلة. فبدونها، ستواجه الشركات صعوبة في تصنيع منتجات متوافقة مع المواصفات، وستكون هناك شكوك حول كميات وقيم السلع المتداولة، مما يعرقل النمو الاقتصادي.
تحسين الرعاية الصحية. وتساهم المترولوجيا في ضمان دقة الأجهزة الطبية، و معايرة الجرعات الدوائية، وصحة نتائج الفحوصات المخبرية. هذا أمر بالغ الأهمية للحفاظ على صحة المواطنين وتقديم رعاية طبية فعالة، لا سيما في ظل التحديات الصحية التي تواجهها البلاد، وحماية المستهلك والبيئة. وتضمن المترولوجيا أن المقاييس المستخدمة في المعاملات التجارية (مثل مضخات الوقود وموازين البقالة) دقيقة، مما يحمي المستهلكين من الغش. كما أنها ضرورية لرصد التلوث البيئي والالتزام بالمعايير البيئية، بجانب بناء الثقة والاستقرار، فعندما تكون القياسات موثوقة وموحدة، فإن ذلك يعزز الثقة بين الأفراد والمؤسسات والشركاء التجاريين، مما يسهم في بناء بيئة أكثر استقرارًا وشفافية.
يتطلب التعافي من آثار الحرب في السودان نهجًا متعدد الأوجه لتعزيز البنية التحتية المترولوجية. وتشمل الأولويات الرئيسية ومنها إعادة بناء القدرات البشرية والمادية، فيجب على السودان الاستثمار في تدريب الكوادر الفنية والمهندسين في مجال المترولوجيا، وإعادة تأهيل المختبرات والمعاهد المتخصصة التي تضررت خلال النزاع. وهذا يشمل توفير المعدات الحديثة والأجهزة المعيارية، بجانب تفعيل الإطار القانوني والتنظيمي، فمن الضروري مراجعة وتحديث القوانين واللوائح المتعلقة بالمترولوجيا لضمان توافقها مع المعايير الدولية. يجب أن يكون هناك هيئة وطنية قوية ومستقلة للإشراف على الأنشطة المترولوجية وتطبيق المعايير.
ينبغي على السودان تعزيز تعاونه مع المنظمات المترولوجية الإقليمية والدولية. تبادل الخبرات والمعرفة، والاعتراف المتبادل بشهادات المعايرة، سيسهل التجارة ويدمج السودان في الاقتصاد العالمي، ويجب إعطاء أولوية للمترولوجيا القانونية لضمان دقة أجهزة القياس المستخدمة في المعاملات التجارية وحماية المستهلكين. وهذا يتطلب عمليات تفتيش ومعايرة منتظمة، كما ينبغي إطلاق حملات توعية عامة لزيادة فهم أهمية المترولوجيا لدى صانعي القرار والقطاع الخاص وعامة الجمهور. فالمترولوجيا ليست مجرد قضية فنية، بل هي أداة تنمية اقتصادية واجتماعية، ومع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية، يجب على السودان الاستثمار في تطوير بنية تحتية مترولوجية رقمية لدعم المعايرة والقياس في العصر الرقمي.
في الختام، إن اليوم العالمي للمترولوجيا هو فرصة للسودان لتأكيد التزامه ببناء مستقبل مستدام. فمن خلال الاستثمار في المترولوجيا، لن يتمكن السودان فقط من ضمان جودة منتجاته وخدماته، بل سيضع أيضًا حجر الزاوية للنمو الاقتصادي، وتعزيز الثقة، وتحقيق التعافي الشامل من آثار الحرب. إنها استثمار في مستقبل الأمة، وفي رفاهية مواطنيها.





