المركز القومي السوداني للبحوث: ركيزة أساسية لنهضة ما بعد الحرب – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

بعد أن تضع الحرب أوزارها في السودان، وتتجه البلاد نحو مرحلة التعافي وإعادة البناء، سيكون التفكير في إنشاء المركز القومي السوداني للبحوث ليس مجرد خيار، بل ضرورة حتمية. إن هذا المركز، بطابعه الشامل الذي يغطي كافة المجالات الحياتية، سيكون بمثابة العقل المفكر والذراع العلمية التي تدفع عجلة التنمية المستدامة، وتوفير الحلول المبتكرة للتحديات التي تواجهها البلاد.
لقد كشفت الحرب الأخيرة عن هشاشة العديد من القطاعات في السودان، وعن الحاجة الماسة إلى قاعدة بيانات قوية ومعرفة متعمقة لتمكين صناع القرار من اتخاذ خطوات مدروسة. فالمركز القومي للبحوث لن يكون مجرد تجمع لباحثين في مجال واحد، بل منصة متكاملة تضم تخصصات متعددة ومتشابكة:
البحوث الاقتصادية والتنموية: لوضع خطط اقتصادية مرنة تعيد إحياء القطاعات المتضررة وتخلق فرص عمل جديدة.
البحوث الاجتماعية والنفسية: لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب، وتعزيز النسيج الاجتماعي، وتقديم الدعم للمتضررين.
البحوث الزراعية والغذائية: لضمان الأمن الغذائي، وتطوير أساليب زراعية مستدامة، واستغلال الموارد الطبيعية بكفاءة.
البحوث الطبية والصحية: لتقوية النظام الصحي، ومواجهة الأوبئة، وتطوير الرعاية الصحية الأولية والثانوية.
البحوث الهندسية والتقنية: لإعادة تأهيل البنى التحتية المدمرة، وتطوير حلول مبتكرة في مجالات الطاقة والمياه والنقل.
البحوث البيئية والمناخية: للتصدي للتحديات البيئية المتفاقمة وضمان استدامة الموارد الطبيعية.
إن الشمولية هي المفتاح هنا. فالمشاكل التي يواجهها السودان بعد الحرب غالبًا ما تكون متعددة الأوجه وتتطلب حلولًا متكاملة. هذا المركز سيشجع على التعاون بين التخصصات المختلفة، مما يفتح آفاقًا جديدة للابتكار والإبداع.
أرى أن مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان هي الموقع الأمثل والأساسي لإنشاء المركز القومي السوداني للبحوث، وذلك لعدة أسباب وجيهة:
الموقع الجغرافي المركزي: تقع الأبيض في قلب السودان تقريبًا، مما يجعلها نقطة التقاء سهلة الوصول من مختلف ولايات البلاد. هذا يسهل حركة الباحثين والخبراء ويشجع على التبادل المعرفي.
البعد عن مراكز الصراع التقليدية: على الرغم من تأثرها، إلا أن الأبيض بعيدة نسبيًا عن مراكز الصراع الأكثر حدة، مما يوفر بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا للعمل البحثي على المدى الطويل.
التنوع البيئي والاجتماعي: تتميز ولاية شمال كردفان بتنوعها البيئي والاقتصادي، مما يوفر بيئة خصبة لإجراء البحوث في مجالات الزراعة، الرعي، التعدين، والتحديات الاجتماعية المرتبطة بهذه الأنشطة.
الإمكانات اللوجستية: تعتبر الأبيض مركزًا تجاريًا ولوجستيًا مهمًا، مما يسهل توفير المستلزمات والمعدات اللازمة للمركز، بالإضافة إلى سهولة الوصول إليها عبر الطرق البرية.
رمزية إعادة الإعمار: يمكن أن يكون اختيار الأبيض مقرًا للمركز رمزًا قويًا لالتزام الدولة بإعادة إعمار وتنمية المناطق المتأثرة، وتوزيع الفرص التنموية بشكل عادل.
إمكانية التوسع: توفر الأبيض مساحات مناسبة للتوسع المستقبلي للمركز، سواء في المباني أو المختبرات أو المرافق البحثية.
يجب أن يتمتع المركز القومي السوداني للبحوث باستقلالية إدارية ومالية لضمان فعاليته ونزاهته. يمكن أن يعتمد على نموذج تمويل متنوع يجمع بين الدعم الحكومي، المنح الدولية، والشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية. كما يجب أن يركز على:
تنمية الكوادر البحثية الوطنية: من خلال توفير فرص التدريب والتأهيل للشباب السوداني، والتعاون مع الجامعات والمعاهد البحثية داخل وخارج السودان.
بناء شراكات إقليمية ودولية: للاستفادة من الخبرات العالمية وتبادل المعرفة في مجالات البحث والتطوير.
نشر المعرفة: من خلال إصدار الدوريات العلمية، تنظيم المؤتمرات وورش العمل، وتوفير البيانات والمعلومات للجمهور وصناع القرار.
إن إنشاء المركز القومي السوداني للبحوث في الأبيض سيكون استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل السودان. فهو لن يكون مجرد مبنى، بل منارة للعلم والمعرفة، تضيء طريق التعافي والنهضة، وتساهم في بناء سودان جديد، مزدهر، ومستقر.





