نحو سودان موحد وقوي… تحديات ما بعد الحرب ووحدة الصف كصمام أمان – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في ظل ما تشهده الساحة السودانية من تطورات متسارعة، وما تحمله تصريحات رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، من رسائل حازمة، تتجلى معركة “الكرامة والعزة” كفاصل تاريخي يرسم ملامح مستقبل السودان. فبينما تتواصل العمليات العسكرية للقضاء على “مليشيا آل دقلو الإرهابية”، يؤكد البرهان على أن المعركة مستمرة ولن تتوقف إلا بتحقيق هذا الهدف، مشدداً على أن القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة هما “صمام أمان السودان”. هذا التأكيد، الذي جاء خلال حفل تخريج الدورة التأهيلية رقم (21) أمن ومخابرات، ليس مجرد تصريح عسكري، بل هو خارطة طريق لمرحلة مفصلية تتطلب وعياً عميقاً بالتحديات القادمة، وإيماناً راسخاً بقدرة وحدة الصف على تجاوزها.
إن خطاب البرهان يحمل في طياته رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، مرحلة بناء لا تقل أهمية عن مرحلة القتال. ففي الوقت الذي تشهد فيه البلاد تضحيات جسام من أبناء القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة، الذين قدموا “أرتالاً من الشهداء في سبيل الوطن”، يجب أن ينصب التفكير نحو مستقبل يتم فيه تجاوز آثار هذه الحرب المدمرة. وهنا تبرز مجموعة من التحديات الرئيسية التي يتوقع أن يواجهها السودان في مرحلة ما بعد الحرب:
أولاً: التحديات الإنسانية والاجتماعية: لقد خلفت الحرب أعداداً هائلة من النازحين واللاجئين، دمرت البنى التحتية الأساسية، وخلقت أزمة إنسانية غير مسبوقة. إن إعادة هؤلاء إلى ديارهم، وتوفير الخدمات الأساسية من مأوى وغذاء وصحة وتعليم، ستكون مهمة ضخمة تتطلب جهوداً وطنية ودولية منسقة. إلى جانب ذلك، هناك التحدي الأكبر المتمثل في تضميد الجراح الاجتماعية والنفسية، وتجاوز مرارات الصراع، وإعادة بناء نسيج المجتمع الذي تعرض للتمزق بفعل الحرب والانتهاكات التي ارتكبتها “مليشيا آل دقلو الإرهابية”. إن استعادة الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة، وتعزيز التسامح والتعايش السلمي، ستكون حجراً أساسياً في بناء السلام المستدام.
ثانياً: التحديات الاقتصادية: لقد دمرت الحرب مقدرات السودان الاقتصادية بشكل كبير. تعطلت الأنشطة الإنتاجية، وتراجعت الاستثمارات، وتفاقمت الأزمة المعيشية. إن إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وتحقيق التنمية المستدامة، يتطلب خططاً طموحة لجذب الاستثمار، وتأهيل البنى التحتية، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص العمل للشباب. كما أن معالجة الديون الخارجية واستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية ستكون حاسمة للانطلاق نحو التعافي الاقتصادي.
ثالثاً: التحديات الأمنية وإعادة بناء المؤسسات: على الرغم من الانتصار المتوقع على المليشيات الإرهابية، فإن تحديات ضبط الأمن وتثبيت الاستقرار ستظل قائمة. قد تظهر بؤر توتر هنا وهناك، وقد تتفشى الجريمة المنظمة. إن إعادة هيكلة وتأهيل القوات الأمنية، وتعزيز سيادة القانون، وتوطيد سلطة الدولة على كامل التراب السوداني، ستكون ضرورية. كما أن استكمال خارطة الطريق واستكمال مطلوبات الفترة الانتقالية، بما في ذلك بناء مؤسسات دولة قوية وشفافة، سيكون أمراً حيوياً لضمان الانتقال السلس إلى مرحلة الاستقرار السياسي.
رابعاً: تحدي الوعي الوطني والتغلب على الانقسامات: لقد أشار البرهان إلى خطورة “الشعارات التي دمرت السودان” وأهمية “النأي عن القبلية والجهوية والأجندة الحزبية والسياسية”. هذا التحدي الفكري والاجتماعي عميق الجذور. فلطالما استغل المتآمرون الانقسامات القبلية والجهوية والحزبية لزعزعة استقرار البلاد. إن بناء وعي وطني جامع، يعلي من شأن الهوية السودانية الموحدة فوق كل الانتماءات الضيقة، سيكون مفتاحاً للتغلب على هذه التحديات. يتطلب ذلك جهوداً مكثفة في التوعية والتثقيف، وتعزيز قيم المواطنة والمساواة، وإتاحة الفرصة لكل السودانيين للمشاركة في بناء مستقبل بلادهم.
في مواجهة هذه التحديات الجسيمة، تبرز “وحدة الصف” كعنصر حاسم، بل كصمام أمان حقيقي لمستقبل السودان. لقد أكد البرهان بوضوح على أهمية “وحدة الصف لبناء سودان قوي، والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب”. هذا ليس مجرد شعار، بل هو مبدأ عملي تتوقف عليه قدرة السودان على التعافي والنهوض.
يمكن لوحدة الصف أن تساهم في التغلب على هذه التحديات بتعزيز اللحمة الوطنية، فعندما تتوحد كل القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية حول رؤية وطنية موحدة، يصبح بالإمكان تجاوز الانقسامات والفرقة التي استنزفت البلاد طويلاً. وحدة الصف تعني وضع المصلحة العليا للوطن فوق أي مصالح حزبية أو شخصية، والعمل بروح الفريق الواحد لمواجهة التحديات المشتركة.
تعبئة الموارد والجهود: إن التحديات التي تواجه السودان بعد الحرب تتطلب موارد هائلة وجهوداً مضنية. عندما تتوحد الصفوف، يمكن تعبئة كل الطاقات والموارد البشرية والمادية بفعالية أكبر. يمكن للحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص أن يعملوا جنباً إلى جنب لتحقيق أهداف إعادة الإعمار والتنمية.
بناء الثقة في مؤسسات الدولة: عندما يشعر المواطنون بأن قادتهم ومؤسساتهم يعملون بقلب رجل واحد ومن أجل مصلحة الوطن، تتعزز ثقتهم في هذه المؤسسات. هذه الثقة ضرورية لتعزيز سيادة القانون، وتسهيل تنفيذ الخطط والبرامج، وضمان مشاركة المواطنين الفاعلة في بناء مستقبلهم.
مواجهة التحديات الأمنية المتبقية: حتى بعد دحر المليشيات الرئيسية، قد تظل هناك تحديات أمنية متفرقة. بوحدة الصف، يمكن للقوات الأمنية والمواطنين العمل معاً لتأمين البلاد، ومنع عودة أي بؤر للتوتر أو الإرهاب.
إنجاح الفترة الانتقالية: إن استكمال مطلوبات الفترة الانتقالية، وصولاً إلى بناء دولة ديمقراطية مستقرة، يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً. بوحدة الصف، يمكن للقوى السياسية أن تتجاوز خلافاتها، وتعمل على صياغة دستور عادل، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وإرساء أسس حكم رشيد.
جذب الدعم الدولي: عندما يرى المجتمع الدولي أن السودانيين موحدون حول رؤية واضحة لمستقبلهم، سيكونون أكثر استعداداً لتقديم الدعم والمساعدة في جهود إعادة الإعمار والتنمية.
في الختام، إن معركة الكرامة، التي يخوضها السودان اليوم بقيادة القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة، هي ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي بداية لمرحلة جديدة تتطلب يقظة وطنية شاملة. إن وعي القيادة السياسية والعسكرية بأهمية “الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب” وضرورة “عدم تكرار ما حدث وعدم الانسياق وراء الشعارات التي دمرت السودان” هو مؤشر إيجابي. إن بناء سودان قوي وموحد بعد هذه الحرب المدمرة يتوقف بشكل أساسي على قدرة جميع مكونات الشعب السوداني على توحيد صفوفهم، ونبذ القبلية والجهوية والأجندة الحزبية الضيقة، والعمل بوطنية خالصة من أجل مستقبل الأجيال القادمة. فـ “الحرب ستنتهي بسودان قوي وموحد”، وهذا الوعد لن يتحقق إلا بوحدة صف يرتفع فيها صوت الوطن فوق كل الأصوات.





