تعزيز التكامل الاستراتيجي بين مصر والسودان عبر بوابة النقل – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

تؤكد اللقاءات المتواصلة بين المسؤولين المصريين والسودانيين، وعلى رأسها الاجتماع الأخير بين المهندس كامل الوزير، وزير النقل المصري، ووزير التنمية العمرانية والطرق والجسور السوداني،على الأهمية القصوى لتعزيز التعاون المشترك في مجالات النقل المختلفة، كركيزة أساسية للتكامل الاستراتيجي بين البلدين الشقيقين. إن هذه الجهود لا تقتصر على تسهيل حركة الأفراد والبضائع فحسب، بل تمتد لتشمل دعم التنمية الاقتصادية والبنية التحتية، وهو ما ينعكس إيجاباً على رفاهية الشعبين.
يمثل قطاع النقل النهري محورًا حيويًا في العلاقات المصرية السودانية، لما له من إمكانات هائلة في تيسير التجارة وتنشيط الحركة السياحية. إن توقيع بروتوكول تعاون مشترك بين الهيئة العامة للنقل النهري المصرية وهيئة وادي النيل للملاحة النهرية وسلطة الملاحة النهرية السودانية لتطوير الرصيف النهري لميناء وادي حلفا، بقيمة تعاقدية تصل إلى 300 مليون جنيه مصري، وبنسبة تنفيذ بلغت 69%، يعد خطوة عملاقة نحو تحقيق هذا الهدف. هذا المشروع، بالإضافة إلى تزويد وصيانة المساعدات الملاحية بطول 350 كم بين أسوان ووادي حلفا، يهدف إلى تسهيل حركة نقل الركاب والبضائع، مما يعزز من التدفق التجاري ويقلل من أزمنة الرحلات. كما أن الدور الذي تلعبه اللجنة الفنية الدائمة المشتركة للنقل النهرى، باجتماعاتها المنتظمة، يؤكد على الجدية في متابعة التحديات وتذليل العقبات. ولا يمكن إغفال الأهمية الاستراتيجية للممر الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط، والذي يضع السودان كشريك أساسي في هذا المشروع الطموح الذي يعزز الروابط الإقليمية.
إن رغبة القيادة السياسية في السودان في إسناد مشروعات التنمية العمرانية لشركات مصرية متميزة في مجالات البنية التحتية، مثل المقاولون العرب والهيئة العامة للطرق والكباري، هو دليل على الثقة في الخبرات المصرية وقدرتها على تحقيق التنمية. إن إعادة تأهيل كباري “الحلفايا” و”شمبات” بولاية الخرطوم، والذي تتطلع إليه السودان، يعد مشروعًا حيويًا لتحسين البنية التحتية للخرطوم، ومصر مستعدة تمامًا لدعم هذه الجهود. هذه المشروعات لا تساهم فقط في تحسين جودة الطرق وتسهيل حركة النقل داخل السودان، بل تفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي وتبادل الخبرات بين البلدين.
تعتبر الموانئ البرية، مثل مينائي أرقين وقسطل، بوابات حيوية لتعزيز التبادل التجاري وعبور الأفراد والمساعدات الإنسانية بين مصر والسودان. إن التنسيق الدائم من قبل الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة لتيسير إجراءات العبور، وزيادة أعداد العاملين في الموانئ لاستيعاب الكثافات، وتوفير الخدمات الإدارية وخدمات الإعاشة، كلها خطوات ضرورية لضمان انسيابية الحركة وتقليل التكدسات. إن السعي لتسريع إجراءات التخليص الجمركي يمثل حجر الزاوية في تحقيق هذا الهدف، حيث يقلل من الوقت المستغرق لعبور البضائع والأفراد، مما ينعكس إيجابًا على حجم التبادل التجاري. ومن المهم الإشارة إلى مناقشة التعديلات الجديدة بشأن رسوم العبور وأثرها على حركة التجارة، والاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لحل العقبات التشغيلية والإجرائية، مما يؤكد على المرونة والتعاون في مواجهة التحديات.
يظهر بوضوح أن تعزيز التعاون في مجالات النقل بين مصر والسودان هو حجر الزاوية في تحقيق التكامل الاستراتيجي بين البلدين. إن الاستثمار في البنية التحتية للنقل، سواء كان نهريًا أو بريًا أو عبر الموانئ، ليس مجرد استثمار في الطرق والمنشآت، بل هو استثمار في المستقبل، يفتح آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية، ويعزز الروابط الاجتماعية والثقافية، ويسهم في استقرار المنطقة. ومع استمرار هذا التعاون المثمر، يمكن لمصر والسودان أن يقدما نموذجًا ناجحًا للتكامل الإقليمي، يعود بالنفع على الشعبين الشقيقين وعلى المنطقة بأسرها.
بالنظر إلى التقدم الملحوظ في التعاون بين مصر والسودان في مجالات النقل، فإن هناك بالفعل تحديات قد تظهر في المستقبل، والتي تتطلب رؤية استباقية وحلولاً مبتكرة لضمان استمرارية ونجاح هذا التكامل الاستراتيجي. في رأيي، يمكن تلخيص أبرز هذه التحديات في تحديات السياسية والأمنية منها التقلبات السياسية أو الأوضاع الأمنية غير المستقرة في أي من البلدين أو في المنطقة المحيطة قد تؤثر بشكل مباشر على استمرارية المشاريع، وتؤدي إلى تباطؤ في التنفيذ، أو حتى توقف بعضها، ويمكن التغلب عليها بوضع آليات تعاون مرنة وتطوير بروتوكولات واتفاقيات تسمح بالتكيف مع الظروف المتغيرة، مع تحديد خطط بديلة في حالات الطوارئ، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية بتعزيز قنوات الاتصال والتنسيق السياسي والأمني بين البلدين لمعالجة أي قضايا ناشئة قبل تفاقمها بالاضافة لتأمين البنية التحتية بوضع خطط تأمين شاملة للمشاريع الحيوية، خاصة في المناطق الحدودية أو البعيدة، لضمان استمراريتها في ظل أي اضطرابات.
التحديات التمويلية والاقتصادية والحاجة إلى استثمارات ضخمة لتطوير وتوسيع شبكات النقل، وقد تواجه البلدان صعوبة في توفير التمويل اللازم، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية المتقلبة، يمكن التغلب عليها بتنويع مصادر التمويل والبحث عن شراكات مع مؤسسات تمويل دولية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، ودراسات جدوى اقتصادية دقيقة للتأكد من الجدوى الاقتصادية للمشاريع لزيادة جاذبيتها للمستثمرين، بالإضافة إلى تنسيق السياسات المالية وتبادل الخبرات في إدارة الميزانيات وتوجيه الإنفاق نحو المشاريع ذات الأولوية القصوى.
التحديات اللوجستية والتشغيلية، فعلى الرغم من الجهود المبذولة، قد تظهر عقبات بيروقراطية أو إجرائية في المعابر الحدودية، أو نقص في الكوادر البشرية المؤهلة، أو تحديات تتعلق بصيانة المعدات والبنية التحتية، يمكن التغلب عليها بتوحيد وتبسيط الإجراءات الجمركية والحدودية والعمل على تطبيق نظام الشباك الواحد وتوحيد الوثائق المطلوبة لتسريع عملية العبور، والاستثمار في التدريب والتأهيل ببناء قدرات الكوادر البشرية في مجالات إدارة الموانئ، والتشغيل اللوجستي، وصيانة المعدات، وتطبيق التقنيات الحديثة باستخدام الأنظمة الذكية لإدارة حركة المرور، وتتبع الشحنات، وتحسين كفاءة العمليات، بالاضافة الى الصيانة الدورية والوقائية بوضع جداول صيانة صارمة للبنية التحتية والمعدات لضمان جاهزيتها وتقليل الأعطال.
التحديات البيئية والتغيرات المناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة، أو السيول، أو الجفاف، يمكن أن تؤثر على البنية التحتية للنقل (مثل الطرق والجسور النهرية)، وتعيق حركة الملاحة، ويمكن التغلب عليها بتصميم بنية تحتية مقاومة للتغيرات المناخية باستخدام مواد وتقنيات بناء تتحمل الظروف الجوية القاسية، وتكثيف دراسات الأثر البيئي بإجراء تقييمات بيئية شاملة قبل البدء في أي مشروع لضمان استدامته، وتطوير أنظمة إنذار مبكر للتعامل مع الظواهر الجوية المتطرفة وتجنب تأثيرها على حركة النقل.
التحديات التكنولوجية، فعدم مواكبة التطورات التكنولوجية في مجال النقل قد يؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية للبلدين، أو عدم الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة. ويمكن التغلب عليها تبني الابتكار والتكنولوجيا والاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة في جميع جوانب قطاع النقل (مثل النقل الذكي، واللوجستيات الرقمية)، ونقل المعرفة والخبرات بتسهيل تبادل الخبرات التكنولوجية بين البلدين، وتنظيم ورش عمل وبرامج تدريب متخصصة.
التحديات المتعلقة بالوعي المجتمعي والمشاركة، فلقد لا يدرك جزء من المجتمع الفوائد طويلة الأجل لمشاريع التكامل في النقل، مما قد يؤثر على الدعم الشعبي اللازم لهذه المشاريع، ويمكن التغلب عليها بحملات توعية شاملة، وتسليط الضوء على الأثر الإيجابي لهذه المشاريع على حياة المواطنين، من حيث توفير فرص العمل، وتسهيل التجارة، وتحسين مستوى المعيشة، وإشراك المجتمعات المحلية في مراحل التخطيط والتنفيذ، بما يضمن تلبية احتياجاتهم ومراعاة مصالحهم.
في الختام، يتطلب التعامل مع هذه التحديات نهجًا شاملاً ومتعدد الأوجه، يعتمد على التنسيق المستمر، والمرونة في اتخاذ القرار، والالتزام المشترك بالرؤية الاستراتيجية لتحقيق التكامل. إن قوة العلاقات المصرية السودانية، والإرادة السياسية الواضحة للتعاون، توفر أساسًا قويًا للتغلب على أي عقبات مستقبلية.





