مقالات الرأي
أخر الأخبار

الشرطة المجتمعية ومهارات الحس الأمني ✍️ فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

تلعب الشرطة المجتمعية دوراً محورياً في تعزيز الأمن الوقائي، ليس فقط من خلال التدخل المباشر، بل عبر بناء منظومة يقظة وواعية تستند إلى مهارات إنسانية عميقة، مثل الملاحظة الدقيقة، وتحليل السلوكيات، والتنبؤ بالمخاطر. فنحن نعيش في عالم متسارع الإيقاع، يتطلب إنساناً لماحاً ، يملك من الذكاء الميداني والحس الأمني ما يمكّنه من كبح الأخطار في مهدها قبل استفحالها.

وهذا الدور الأمني لا ينفصل عن البعد القيمي والديني، فقد خاطب الله تعالى هذه الأمة مبيّنًا دورها في الإصلاح المجتمعي، بقوله تعالى :﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]

فالشرطة المجتمعية لا تؤدي دوراً رقابياً فحسب، بل تجسّد هذا المعنى القرآني عبر رعاية الحي وملاحظة التحولات وحماية المجتمع من الداخل ملؤها الحب والاحترام .

أولاً: ما هو الحس الأمني؟

هو القدرة على استشعار المخاطر المحتملة في البيئة المحيطة، عبر قراءة الإشارات السلوكية والمكانية، سواء كانت ظاهرة أو خفية، باستخدام الملاحظة والتحليل والاستنتاج المنطقي.

وقد أمرنا الله بالحذر من المخاطر، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ [النساء: 71] فالحذر، هنا، لا يعني الخوف السلبي، بل الوعي الاستباقي، وهو ما يُبنى عليه الحس الأمني.

ثانيًا: دور مهارات الملاحظة في تعزيز الحس الأمني

1. التعرف المبكر على التغيرات

مثل ملاحظة أشخاص أو سلوكيات غير معتادة.

2. رصد المؤشرات السلوكية

شخص يتصرف بتوتر في موقع حساس، أو يظهر عليه علامات ارتباك ظاهر.

 

3. تحليل التفاصيل الصغيرة

مثل حقيبة مهجورة، أو ملابس لا تتناسب مع المكان أو الطقس، أو تصرفات لا تنسجم مع المظهر العام.

 

🛡 ثالثًا: كيف توظف الشرطة المجتمعية مهارات الملاحظة؟

 

1. الوجود الفعّال لا الوجود الشكلي

الشرطي المجتمعي يعيش في الحي، يملك معرفة دقيقة بتفاصيله، ولا يكتفي بالرصد السطحي.

2. بناء العلاقات لاستخلاص المعلومات

العلاقة الوثيقة مع السكان تسمح بالتقاط الإشارات الخفية.

3. الربط بين الملاحظات والمعلومات

مثل الربط بين ملاحظات ميدانية وتحليلات تقنية أو بلاغات سابقة.

وهنا يظهر المعنى القرآني العميق في قوله تعالى : ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 22]

فالحس الأمني أشبه بالبصر الحاد، الذي يرى ما لا يراه الغافلون.

رابعًا: مهارات يجب أن يمتلكها رجل الشرطة المجتمعية

المهارة التطبيق العملي

الانتباه للتفاصيل ملاحظة التغيّرات الصغيرة في الحي

القراءة غير اللفظية فهم لغة الجسد ونبرة الصوت

الاستماع النشط التقاط ما وراء الكلمات

التفسير دون تحيز التمييز بين الغريب والمريب دون أحكام مسبقة

👥 خامسًا: كيف نُنمِّي مهارات الحس الأمني؟

التدريب العملي المنتظم

محاكاة مواقف حقيقية

تحليل التقارير والبلاغات

ورش عمل مع مختصين في علم النفس والسلوك

وهنا نجد أن الحس الأمني ليس فقط مهارة ميدانية، بل عطية إلهية لمن صفا قلبه واتقى ربه، كما قال تعالى: ﴿ إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29]

أي بصيرة تُميِّز بين الحق والباطل، والمألوف والمريب.

_ خاتمة:

إن مفتاح الأمن المستدام لا يكمن في الأجهزة والكاميرات وحدها، بل في العقول التي تراقب وتربط وتستنتج، والقلوب التي تتقي وتُبصر.

الشرطة المجتمعية، بحضورها الإنساني ومهاراتها الدقيقة، تمثّل الحارس الصامت الذي يمنع قبل أن يقمع، ويحلّ قبل أن يعقّد.

وكم من جريمةٍ وقعت بسبب غياب الحس الأمني أو تلاشي مهارات الملاحظة لدى من أوكلت لهم المسؤولية.

إن الحس الأمني ليس مق على رجل الأمن وحده، بل هو واجب على كل مواطن حتى لا يكون فريسة سهلة للمجرمين.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام