
في خضم التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها السودان، تبرز قضية ضباط الشرطة المفصولين تعسفيًا كإحدى القضايا الوطنية الملحة، والتي لا تزال عالقة دون معالجة قانونية أو مؤسسية عادلة، رغم ما تمثّله من تحدٍ أخلاقي وعدلي يمسّ جوهر مهنية الدولة وأجهزتها العدلية.
فهؤلاء الضباط، الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الوطن، بعضهم في ولايات النزاع والعمليات، وآخرون في إدارات أمنية وتخصصية حساسة، وجدوا أنفسهم فجأة خارج المنظومة، دون إجراءات تأديبية، أو تحقيقات قانونية، أو حتى إشعار رسمي يكفل لهم حقوقهم الدستورية والوظيفية.
*إقصاء بواجهة سياسية… لا بمهنية مؤسسية*
تمّت معظم قرارات الفصل تحت مظلة ما سُمّي بـ”إزالة التمكين”، وهو برنامج وُضع – نظريًا – لإصلاح مؤسسات الدولة، لكنه في الواقع اتخذ منحىً سياسيًا أكثر من كونه إصلاحيًا ، فبدلاً من التقييم الفردي العادل، تم اللجوء إلى الإقصاء الجماعي والتجريف المؤسسي، مما أدى إلى طرد مئات الضباط من الخدمة، لا لقصور في الأداء، بل لاشتباه سياسي أو تصنيف فكري أو علاقات مزعومة، دون أدلة ولا محاكمات .فهي قصص خلف الأرقام
فكل رقم في قوائم المفصولين يحكي قصة موجعة ومؤلمة .
ضابطٌ عمل في مكافحة المخدرات، تلقى تدريبات دولية متقدمة، أُبعد بلا مساءلة، وهم كُثر و آخر أمضى سنوات في ولايات ملتهبة، عاد بأوسمة وشهادات تقدير، فوجد نفسه خارج الخدمة بلا تحقيق وغيرهم ممّن وُصِفوا بأنهم “غير مرغوب فيهم” فقط لمواقفهم الفكرية أو الاستقلالية الإدارية.
*ردّ الاعتبار حقٌ لا منّة*
إن مطالب الضباط المفصولين لا تنطلق من باب الامتيازات أو التوظيف، بل من حق قانوني وإنساني وأخلاقي في الإنصاف وردّ الاعتبار وإرجاع من ثبتت براءته من الفساد أو التورط في تجاوزات إلى الخدمة، هو جزء من عملية تصحيح المسار الأمني، لا عرقلته ، بل إنّ معظم هؤلاء الضباط يمتلكون خبرات نوعية، تفتقر إليها المؤسسة الشرطية في الوقت الراهن، لا سيما في ظل تصاعد التحديات الأمنية، وتنامي الجريمة، وتقلّص الخبرات القيادية داخل الميدان.
*نداء إلى السيد رئيس الوزراء
و السيد وزير الداخلية*
في ظل تولّيكم قيادة الحكومة الانتقالية، فإننا نرفع إليكم هذا النداء الوطني المهني: أعيدوا فتح ملفات ضباط الشرطة المفصولين تعسفيًا، من خلال لجنة مراجعة قانونية مهنية، لا سياسية، تُخضع كل ملف إلى معايير العدالة، لا الإملاءات الأيديولوجية.
لا يُبنى إصلاح أمني على أنقاض المظلومين ولا تُستعاد الثقة بين الدولة ومؤسساتها بالقرارات المزاجية.
ردّوا المظالم لأهلها، وأعيدوا للمؤسسة ثقتها برُجالها.
_نحو دولة القانون… لا دولة التصنيفات ، إن السكوت على هذه المظالم يضرُّ بصورة العدالة، ويُشعِل نار الإحباط داخل أوساط الشرطة والمجتمع ، بل إنّ العدالة الانتقائية تُهدّد بخلق بيئة أمنية هشّة، يُعاقَب فيها الولاء، ويُكافَأ فيها التبعية.
لقد آن الأوان لتجاوز منطق التصنيف السياسي، والانحياز لقيم المهنية والمؤسسية، وإرساء نموذج دولة لا تُقصي أبناءها دون وجه حق ، فالعدالة ليست شعارًا يُرفع، بل فعلٌ يُمارَس والظلم حين يُلبَس لبوس القانون يُصبح أكثر قبحًا وخطورة. قال تعالى :{ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ } المائدة:[8]
أصدقكم ان هؤلاء الضباط من خيرة الناس، واكثر الضباط كفاءة وخلقاً
وشهادة مسؤول عنها يوم القيامة.





