طقس الحربة طقس الكتابة د. عبد اللطيف البوني نموذجًا – هذي رؤاي – ✍️ عبد العزيز عبد الوهاب

يقول الكاتب البريطاني كين روبنسون: “لا يمكنك إعطاء شخص ما حُقَنًا من الإبداع، لكن يمكنك إنشاء طريق يُشجِّع الناس على إخراج أفضل ما عندهم”..
هنا تبرز صفتان للكتابة إحداهما مُلهمَة ، تخرج صفية ندية كهبةٍ من الرب ، وكتابة مدعومة ، أي محقونة بالتحفيز وربما الإرغام .
صديقنا العزيز الدكتور عبد اللطيف البوني ، كاتب ملهم ومبدع بالفطرة ومجوٌد لحرفته ، يتميز بموسيقى جاذبة تكاد تسِم كل كتاباته .
تأتي أكثر موضوعاته نابضة بالحيوية واللطافة والإيجاز ، ما يعكس طقس الكتابة عنده وظروفها وشروطها، وجميعها تبدو معافاة من الإلزام والإذعان وحُقَن التبييض وزيادة الأرداف و(حاجات تانية حامياني) تلك التي (تميز) كتابات بعض الذين يكدٌرون بِيض الصحائف بسُود الأفكار
والموضوعات التي ما هم بقارئيها .
لكن في الأثناء ؛ يتولى الراحل عبد المنعم قطبي قراءتها نيابة عنهم ، ولما سُئل عن السبب ؟ أجاب بصفاء : إن في ذلك مران على الصبر الجميل !.
بعد ممارسة دؤوبة في كتابة زاويته المقروءة ( حاطب ليل) قرر الدكتور عبد اللطيف البوني في مارس 2021 التوقف بإختياره عن الكتابة مبررا الخطوة بأن (البطن كانت طامة مما يحدث في السودان) ليتطور الإختيار إلى إجبار لسنتين ( إنسدت فيها النفِس) بعد بداية هذه الحرْبة بتعبير دقلو أخوان .
على مدى أربع سنوات عجاف من الغياب ، حُرم جمهور واسع من متابعي التحليل الرصين ومثلهم من محبي رميات د. البوني و(خارجياته) المحببة والصديقة( للبيئة) .
غياب تمدد فيه ( صنٌاع التفاهة) ممن وصفهم الفيلسوف الكندي آلان دونو : بأنهم بسطوا التفاهة كمنهج في السياسة والاقتصاد والتعليم وفي الكتابة .
فبطن البوني الطامة ونفسه المسدودة ؛ لم تكن لتحدث ؛ لولا أن التافهين تمددوا في الأرجاء وملأوا الساحات .
شيئا جعل الموقرين يفرون من الفيس بوك الذي أصبح : دولة أعظم سادتها أرتال من الحمقى والبلهاء ، فها هي الجزائرية الباحثة في مجال العقائد وعلم الكلام ، خولة جهاد دمبري تكتب : وداعا أيها الفيس.. وداعا للرداءة .. إنه زمن الرداءة عند الكثرة .
لم يقف الأمر عند البوني الحكٌاي البكٌاي وأبقْلبا رهيف ، ولا عند خولة التي تغيرت إلى (خولة أخرى) بعد مغادرتها عالم الكتابة الملفقة والسطحية ، بل لعل الحال يشبه حال المبدعين مدى الدهر عندما يحزبهم حازب . فكم من رسام مزق لوحته وكم من راوٍ حرق أجمل ما روى وكم من شاعر كتب : هذا الشعر طالق .
اشتعلت حرب السودان ، فأذاقت غمار الناس أقسى صنوف العذاب ، حيث أفقرت ، وأقفرت ، أعدمت ، ويتٌمت ، أرملت وزلزلت طقس أكثر المتماسكين ، فها هي إحدى السيدات تقول : لو طقٌت ملعقة واحدة في السراميك بقوم جارية !!
أنظر كيف تضعضع هذا اليقين ، هذا الروقان ، تضعضع وبوظان أعصاب جعل إمرأة مطمئنة تفرك رجليها مهرولة من فرقعة الملعقة كأنها دانة لتختبئ تحت أقرب سرير .
أنظر يا رعاك الله ، إلى سودان كان ذا زرع وضرع سقٌاي وعطٌاي ، زمان كانت فيه ( هداوة البال) ناظمة لحياة الناس ، فالملحن المبدع عبد اللطيف خضر ود الحاوي ، يحكي أنه استغل ذات عيد القطار المتجه إلى الخرطوم ، لكنه من شدة التزاحم ، لم يظفر بمقعد لا في الدرجة الأولى ولا الرابعة ، فاكتفى بالجلوس في مدخل باب القطار الذي بدأ يتحرك محدثا دقدقة لذيذة : دق دق .. دق دق ، فكانت تلك الدقدقة بمثابة بداية للحن أغنية : سال من شعرها الذهب ، التي أبدعها الطالب يومها أبو آمنة حامد وغناها ابن البادية فرقص على إيقاعها الحجر فالشجر ثم البشر .
ولقياس المسافة بين السودانين عليك بقياس أثر فرقعة الملعقة وأثر دقدقة قطار الحاوي ، فمتى تعود للناس هداوة بالهم التي شفشفها التتار ؟ من يستحق أن ينهض بوجههم استفهام الطيب صالح : من أين أتى هؤلاء ؟ ألم ترضعهم أمهاتهم لبن المحنة ؟ أليس لهم عمات وخالات؟ .
لقد عصفت الحرب بممسكات المجتمع من التداخل الطليق بين الناس بلا حزازات ولا تصنيفات ، فقد دحض البوني إلى الأبد إفتراءات شحيحي الخاطر الذين روجوا لإنتهاكات وقعت بحق أهل الكنابي ( والبوني بهم قمين يعرفهم ويواددهم ويعزيهم ويعزونه) الذين دافعوا عن أرضهم وعرضهم وقدموا أروع المثل في اللحمة والتضامن مع أهل الجزيرة .
وهنا نرفع القبعات لكل من وأد الفتنة في مهدها ونقول ممتنين لهم في شخص صديقنا : ينصر دينك يا بوني .
بعد طول ملاواة وممانعة ومقاومة أولية مع (خفافيش الظلام) عدتها وعتادها ( خرتوش عمدة اللعوتة من بقايا تركة الإنجليز ) وحكمة توارثتها الأجيال عنوانها : مشاكلنا بسيطة بالريدة بتحل ، وصبر على المكاره جميل .
لكن الناس عند المحن ستجدهم يرددون مع صلاح الشاعر :
ما الذي أقسى من الموتِ ؟
فهذا قد كََشفْْنا سرّه، وخَبََرنا أمرَه
واستسغْنا مُُرّّه
صدئت آلاتُُه فينا
ولا زلنا نُعافرْ
ما جََزِعْنا إن تشهَّانا
ولم يرضَ الرحيلْ
فله فينا اغتباقُُ
واصطباح ُومََقِيلْ
آخرُ العمرِ، قصيرا
أم طويلْ:
كفن ُ من طرفِ السوقِ وشبرُ في المقابرْْ.
خرج أهل اللعوتة _ 25 ألف زادوا 5 آلاف ضيوفا عليهم_ بعد أن فقدوا أبقارهم المهجنة ودفاراتهم و غنمايات لبن الصباح وكل ذلك قدٌره البوني (ششنة بس) بنحو 10 ملايين دولار ، خرجوا بي جاز المصافي .. الرجال بالسفنجات والنساء بتياب الجيران ، الروح تتاخم الحلقوم والجوع على أشدٌه .
كان البوني ، عريس اللعوتة وعاشقها المتوٌج آخر المغادرين لبلدته ، وللبوني في عشق اللعوتة حكايات التوله والذوبان ، الخضوع والإنكسار ، الحضور والهذيان تلك لم نقرأها إلا في أشعار عنترة وجميل بثينة ، حيث يحفظ له التاريخ أنه لم ينم ليلة خارجها ، فإذا عزٌت الدابة ،فإنه يصلها ولو كداري ؛ تحت زخات المطر أوصفع الجليد ، غير مبالٍ ولا هيٌاب ، أكان ذلك من أقصى (كرش الفيل) أو من الواق واق ذاتو .
وبكلمة فإن اللعوتة عند البوني هي عبلته أوبثينته ، بها تغنى واحتمى وفي حضنها استدفأ وارتمى ، كلما رماها حجرا رمته ثمرًا ، حجرًا ، ثمرا .
وهذا لعمري عشق يبلغ من الصفاء والتمام مبلغا يصح احتذاؤه لطالما ينتهي إلى تراب الوطن ، فحب الأوطان من الإيمان.
وصل الحبيب إلى بورتسودان ، ولكن ببوني آخر : فالروح مجروحة والخاطر مكسور والحيل مهدود والوجدان مضطرب والنفس حزينة والزهد في أي شئ أصبح سيد الموقف فما زلت _ والحديث للرجل _ غير مصدق لكل الذي جرى صباح 15 ابريل 2023م .
وهناك بعد أن ( تنعلت ، أكل طحنية وشرب بيبسي) كتب مقالا عنوانه :
من اللعوتة الي نيويورك
(الدخلت فينا ما بتمرق تاني … فأنا الآن غيري)
، ما عدٌه المراقبون أجود توصيف وأوفر توثيق لمجريات حرب السودان التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء من أهل السودان الطيبين ، قدمت منهم اللعوتة_ التي استباحها الدعم السريع بأكثر من 3 آلاف مليشي مدججين بأحدث الأسلحة _ 30 شهيدا أولهم الفتى الغض النضر مهند عمر يوسف، ثم ارتفع العدد إلى 70 شهيدا بسبب الجوع والمرض والقهر النفسي الحاد .
وفي ختام المقال نصح د. البوني حذٌاق السودان بضرورة الإنصراف إلى تجلية تاريخ السودان السابق من التزييف والتذويق الذي مارسه أصحاب الغرض والمرض ، ودعا المعاصرين والشهود ، كلا من موقعه وبحسب قدرته لتوثيق تجربته الشخصية بالصوت والصورة لتكون شاهدا على مدى الجرم وفداحة الجريمة التي حلٌت بهذا البلد الطيب الآمن .
غير أن أصفى ما وصٌى به البونى الناس دون استثناء : إذا ما التقى أي واحد منهم بأحد من معارفه بعد غياب بسبب هذه النكسة أن يقالده ويبكيييييي لعل في ذلك تكون بداية للتعافي الوطني) .
ألم أقل لكم أن الرجل حنيٌن ودمعتو على الهبشة ! .
كتب كثيرون معقبين على مقالة الرجل ، فانطلق بعضهم استنادا إلى : أجمل النقد ما كتب عن محبة ، بينما غفل آخرون ؛ ربما عن محبة أيضا ؛ عن الطقس النفسي الخرِب الذي كتب فيه البوني ما كتب ، حيث عابوا عليه كثرة الأخطاء النحوية والإملائية التي أفسدت بتقديرهم المقال وجرٌدته من معايير الضبط والتجويد .
ولعل هذا النقض يقع ضمن ما يسمونه : التعنيف باللغة ، مع أن الرجل صدع بحجته الدامغة بقوله :
فضحنٌي عيوني
كشفن أسراري
فالحرب أحالت (الموية البيضا) في العين إلى سوداء ( جلاكوما) تتطلب مراجعات طبية هي الآن قيد الإجراء ..
وصل أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية إلى السعودية ومنها إلى مصر وهو اليوم في محل حفاوة المحبين وعشاق الكتابة الرشيقة .
عاد إلى الإطلالة على قرائه المنتشرين من الماء إلى الماء ، وبعودته تعود للفيسبوك جزالته ونجاعته التي يحاصر بها البوني وأمثاله ، الغثاثة والتسطح والتسكع ..
يعود القلم العلم ولأجل عودته تعود تغريدة صلاح حاج سعيد التي أطربتنا بها البلابل:
كل البيت/ الفيس
خليتو في فرحة
ضاحكة عيون
وقلوب منشرحة
جيت واكتملت
بيك اللوحة
أهلا سيدنا البوني ومرحب بيك…





