مقالات الرأي
أخر الأخبار

الهند بعيون طالب وقلمه – هذي رؤاي – ✍️ عبد العزيز عبد الوهاب

ما أقسى الوصول إلى التتويج ، بسبب عثرات باهظات كم كانت قرببة من الإجهاز على الحلم ، قريبة من إفشال المهمة جملة .

 

كانت رحلة طارق عبد الغني إلى الهند للدراسة ؛ أشبه بفيلم هندي تتصاعد تعقيداته وتتشابك حتى مداها ؛ بل حتى إسدال الستار ، مرفوقا باللحظة التي ظفر فيها البطل بمبتغاه على نحو مثالي ، كونه شق طريقه وسط أشواك منثورة ساعة ريحٍ هوجاء فيما لم تنقطع أمواج الدموع عن سقايتها.

 

خرج طارق من قريته قبل يوم واحد من السفر ، ليحقق أحلامه التي تكسرت فتبخرت على عتبات جامعات بلده التي وقفت سدا أمام أربعة أخماس المقبلين على تعليم يروي الظمأ وينير الظلمة .

 

يومها ؛ أمطرت السماء كما لم ، وحَلتْ السيارة ، خاض الفتى الطين ماشيا برأسه بينما قدماه الحافيتان المتورمتان لم تعد تقوى على حمل الهوى .

 

وصل العاصمة بمشقة وعسر بالغين ، رفض صاحب الحافلة أخذ الأجرة لمٌا علم أن الفتى مسافر إلى بلد ممثله المفضل ( أميتاب) . رافقه العسر حتى سلم الطائرة فالخريف المشدد كان حاضرا في كل الخطاوي الممكنة ، أما الزمان فكان : رابعة نهار الأحد 26/7/1987 .

 

استغل ابن ال 18 ربيعا ، مقعده في الطائرة في أول تجربة ، يغادر فيها بيته ومدينته متسلحا بأبيات الشاعر الفحل بما معناها وصية أب لإبنه :

 

ﺃﺑﻮﻱ ﻗﺎﻝ ﻟﻴﺎ ﻣﺎ ﺗﻠﻬﻴﻚ ﻋﺮﻭﺽ ﺍﻟﺸﺎﺷﻪ

ﻭﺍﻟﺸﻴﻜﻪ ﺍﻟﻤﺤﻤﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻴﻮﺏ ﻏﺸﺎﺷﻪ

ﺣﻘﺎﺕ ﺟﺪﻙ ﺍﻟﻄﻮﺭﻳﻪ ﻭﺍﻟﻤﻨﺠﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﺸﺎﺷﻪ

ﻭﺍﻹﺑﻞ ﺍﻟﻜــــــــــﺮﺍﻋﻬﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻋﺮ ﺩﻗﺎﺷﻪ

 

ﻗﻠﺘﻠﻮ ﻳﺎ ﺃﺑﻮﻱ ﺍﻟﻨــٌَـــــﻴﻪ ﻛلٌا ﻭﺣﺎﺷﺎ

ﻳﺎ ﺍﻟﻤﻨﻚ ﻭِﺭِﺙْ ﻫﻴﺒﺔ

ﺃﺳﻮﺩ ﻭﺑﺸﺎﺷﻪ

ﻭﻋﺪﺍ ” ﻣﻨﻲ ﻟﻴﻚ ﺣﺘﻰ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﻳﺘﻼﺷﺎ

ﻻ ﺑﺨﺎﻭﻱ ﺍﻟﺠﺒﺎﻥ ﻻ ﺑﺼﺎﺩﻕ ﺍﻟﺸﻤﺎﺷﻪ

 

ﻗﺎﻝ ﻟﻲ ﺍﻟﺨﻤﻮﺭ ﺩﻳﻚ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﻃﺮﻃﺎﺷﻪ

ﺃﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﺩﺭﻳﺐ ﺍﻟﺒﺸﺮﺑﻮ ﺍﻟﺪﻭﺍﺷﻪ

ﺃﻭﻻﺩ ﺍﻟﻨــــــــــــﺴﻮٌﻥ ﻳﺪﻫﻢ ﻫﺒﺎﺷﻪ

ﺧﻠﻴﻚ ﻭﺩ ﺭﺟﺎﻝ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻓﺘﺎﺷﻪ …

 

بعيون الطالب وقلمه المتوهج اصطحبنا طارق، في رحلة إمتدت لأربع سنوات ، لبلاد السحر والأسرار ، الفقر المدقع والجمال المبهر . بلاد تتعطل فيها الحركة إجلالا للبقر ، بينما تسابق الريح لتسجل نفسها كرابع دولة وصولا إلى القمر .

 

كان رفيقه في المغامرة منذ تخلٌقها ، الجيلي مصطفى الذي وصفه طارق بطول الأناة والجسارة واليد الممدودة . أما الوجهة ف( بونا الحنونة) وإليها بذلا العرق والمال لشهرين تتابعا ،المراسلات والقبول ثم الوداع في طابت ، مدينة السمر والشعر والحب المعذٌب سيدو .

 

كان التأوٌه والنديهة سيدتا اللحظات الأخيرة لسفر الجيلي أولا ثم طارق تاليًا فيما الهدف : أن نضيف شيئا لما نحن عليه ، علما وتجربة وشقٌة بلد .

 

استقر الجيلي في بونا بينما صعد طارق قطار ( أحمد آباد) بعد وداع حار من أسرة إدريس الهندي المسلمة ، أمه وشقيقتاه شبيهتا القمر ساعة تمامه بدرا ، بينما ردد الجيلي و شباب الربة :

القطر الشالك إنت …

 

يعني فيها شنو لو فيكم واحد عرٌس لينا هندية فرز أول ؟ عشان يصلٌح الرصة ويفتح لينا منافذ للوسامة والغزل المباح .. و الكلام ليك يا المنطط عينيك ..

 

في أحمد آباد التي وصلها طارق رفقة (ود السرور والعظمة ) إدريس مكلفا من والدته ؛ الذي سهل عليه الحركة والترجمة ومطلوبات القبول . أدهشنا طالب الإقتصاد بأجمل ما حمله أدب الرحلات من كثافة التصوير ودقة الوصف بدءًا من محطة القطار الأنيقة وجلبة المسافرين والمسافرات السمحات سماحة، وصعوبة التواصل مع جاره الضكران حين يناوله الشاي والكيك مع لهجة هندية فهم منها طارق : علي الطلاق تشرب وتاكل معاي .

 

أفردت المدينة جناحيها للزائر غير المسعوف بإنجليزية كافية لكن : ما يتحيٌر إلٌا مغيٌر ، أما الهندية فبينه وبينها بيد دونها بيد ، فاللهجات المحلية عددها 19500 أما اللغات فتبلغ 121 أقدمها السنسكريتية .

 

لا يأخذنٌك العجب ، فالقوم يا هذا ، فوق المليار ونصف (عيني باردة) ؛ وصفهم المهاتما غاندي بعيال الله ، شاي الصباح بس يمثل مشكلة !.

 

غاص الطالب بجامعة كجرات ، تحفه الحفاوة ، في مجتمع الطلاب والمدينة بمناظرها الخلابة وكثافة مواترها وعجلاتها وأمطارها التي لا تهدأ .

 

هناك لم تفارقه روح الجيلي ، فقد تدفقت بسالته وبسطة يده ، فسقتْ بمحبة وادي أحمد آباد . غمره السينير الأغبش و جمال صديق ، الطيب وعوض ومعاوية والفلسطيني أسامة ثابت بفيض من المشاعر وكرم الإستقبال ، أما الحسناء الفرعاء رسيلا ، فكانت جسرا للتثاقف والملاطفة ( زولة واجب بالعلامة الكاملة ) حيث أدت أدوارًا عظيمة للطلاب الجدد ، أسواق المدينة ومطاعمها، الأسعار ، الطريق للجامعة ، ثم تيسير السكن مع أسرة السيدة مارغريت وابنتها شارلي وابنها رولين.. تسلم البطن الجابتك رسيلا.

 

في هذا البيت وفي جلسات الشاي في قهوة (شنكر) تحسنت إنجليزية الفتى ثم تطورت بالتسكع في الشوارع ودور السينما ،إعتدل مزاجه وصار يمازح بلكنة هندية استعذبتها شارلي .

 

مضت سنوات الدراسة الثلاث بثبات وتوفيق أكاديمي ، رغم العثرات التي واجهت الجميع ، إنقطاع المصاريف ، فيضانات 88 ، إنقلاب الإنقاذ ، حرب الخليج ، إنقسام الطلاب سياسيا ، مقتل راجيف غاندي .

 

لكن شغف الطلاب وحيويتهم وشبابهم الغض كان أقوى من كل الصعاب . سطع نجم فريق كرة القدم وفوزه ببطولات دوري الجامعة ودوري الولاية ، الفعاليات الثقافية الراتبة والمشاركة مع الجاليات في مناسباتهم ومع الهنود في أعياد ( القربا) ،حفلات الإستقبال والوداع للطلاب وأغاني الحنين للوطن والحبيبة الطال غيابا .

 

في الكتاب الذي يستحق أن يكون رفيقا لمحبي أدب الرحلات ، تبدو علاقة الإنسان بالمكان جلية صميمة ، شوقا له وشفقة عليه ، وقد بث طارق هنا ، عشرات العبارات وذرف أرطال الدمعات في عشق السودان . أما لواعج شوقه لأحمد آباد .. فلا ابتلٌت ولا نامت .

 

سيظل الهندي العجوز ( شنكر) صاحب القهوة المتواضعة التي يجتمع إليها الطلاب بمختلف جنسياتهم ، حاضرا في تفاصيل السودانيين .لقد جسد شنكر نموذجا أصيلا للدماثة وسخاء القلب والجيب لطارق وأخوانه : لو عندك أدفع .. ما عندك تأكل وتشرب وتدخل سينما وتتصرف حتى يأتيك الشيك .

 

شكرا المهاتما غاندي ، مؤسس الهند المتآلفة .. شكرا شنكر .. شكرا للهنود الممتدين من حي المسالمة إلى أحمد آباد .

 

رحلتي إلى بلاد الهند .. الخرطوم _ بونا _ أحمد آباد .. خواطر وذكريات الذي صدر شتاء 2025 لمؤلفه ابن طابت والحفيٌ بها طارق عبد الغني الصادق ، يعتبر تجربة أولى للكاتب ، في الشوف والمعايشة وتسجيل الإنطباعات بوعي صبي وقلم طالب ، قلم ووعي لا يزالان قيد التكيف والتكوين ، ومن هنا لا تجوز محاكمة الكاتب والمكتوب خارج هذا السياق الطريٌ ، حتى وإن جاء النص مشحونا بكثير من الملاحظات التكنيكية والأخطاء الإملائية والنحوية التي يراها أصحاب الذوق واللغة من المساخر غير المغتفرة .

 

حتما سيمهد هذا الإصدار الطريق أمام الحبيب طارق ؛ الذي ربما يكون ضحية لمدقق غير مكترث ؛ لمزيد من التجويد والتجديد فمثل طارق لا يرضى بالسكون أبدًا .

 

كان الهدف هو : أن نضيف شيئا لما نحن عليه ، علما وتجربة وشقٌة بلد .

 

أما الإضافة فقد عدتُ وبعينيٌ المُنى وبماجستير في الإقتصاد الصناعي سبقه حصولي على بكالاريوس الإقتصاد ، وأما التجربة فكانت الطبيب والفيلسوف الألماني ( ألبرت شفيتزر ) :

 

«إن من يُفكِّر في فعل الخير يجب عليه ألا يتوقع من الناس أن يُزيلوا الحجارة من طريقه، ولا حيلة له إلا أن يَتقبَّل نصيبه راضيًا وإن زادوا هذه الحجارة أحجارًا.»

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام