الصين والسودان.. علاقات تاريخية ومنافع مشتركة – الكلام الدغري – ✍️ هشام احمد المصطفي ابوهيام

شراكة تتجاوز المصالح إلى الاحترام المتبادل
تُعد العلاقات بين جمهورية السودان وجمهورية الصين الشعبية من النماذج النادرة في العلاقات الدولية الحديثة، حيث تأسست على أسس واضحة من الاحترام المتبادل، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحقيق المنافع المشتركة. وعلى مدى أكثر من ستين عامًا، مضت هذه العلاقة في تطور مستمر، لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، مما جعلها أحد أعمدة السياسة الخارجية السودانية، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المعقدة.
—
من الاعتراف المبكر إلى بناء جسور الثقة
كان السودان من أوائل الدول الإفريقية التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية في عام 1959، لتبدأ بعدها مرحلة من التعاون المتين، أساسه الثقة السياسية والرغبة المتبادلة في التنمية. وقد تعززت هذه العلاقة في فترة التسعينيات، عندما تبنّت الصين سياسات شراكة استراتيجية مع إفريقيا، فكان السودان من أوائل المستفيدين، خصوصًا في قطاع النفط والبنى التحتية.
—
الصين والتنمية في السودان: شواهد على الأرض
من أبرز محطات التعاون التنموي بين البلدين، المشاريع الصينية التي أحدثت تحولاً في بنية الاقتصاد السوداني. يأتي على رأسها تطوير قطاع النفط السوداني، إذ ساعدت الشركات الصينية، وفي مقدمتها شركة “CNPC”، في استخراج النفط وتصديره، بعد عقود من الاعتماد على المساعدات الأجنبية.
كما موّلت الصين مشاريع استراتيجية مثل سد مروي، الذي غيّر ملامح إنتاج الكهرباء في البلاد، وأسهم في توسعة الرقعة الزراعية. كذلك شيدت الصين جسورًا وطرقًا وسككًا حديدية ساعدت في ربط أطراف السودان، في وقت كانت فيه البلاد تخضع لعقوبات دولية خانقة.
—
المواقف الصينية… دعم ثابت للسودان في المحافل الدولية
تميّزت الصين بموقف ثابت تجاه القضايا السودانية، لا سيما في المحافل الدولية، حيث وقفت دائمًا إلى جانب وحدة السودان وسيادته. فقد استخدمت الصين حق النقض (الفيتو) لمنع فرض عقوبات جائرة على السودان، ودعت باستمرار إلى تسوية الخلافات بالحوار السياسي لا عبر التدخل العسكري أو الضغوط الدولية.
وخلال الأزمة في دارفور، ثم ما بعد الانفصال، وأخيرًا الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، أظهرت الصين تفهمًا كبيرًا لتعقيدات الواقع السوداني، ورفضت محاولات فرض الوصاية الدولية أو تدويل النزاع، مؤكدة أن الحل السوداني – السوداني هو الخيار الوحيد المستدام.
—
الدعم العسكري والتقني: الصين شريك موثوق
امتدت الشراكة السودانية الصينية لتشمل الجانب العسكري، حيث دعمت الصين القوات المسلحة السودانية في إطار التعاون المشروع والقانوني. وقد شمل هذا التعاون تزويد السودان بتقنيات دفاعية ومعدات اتصالات ومركبات مدرعة، ساعدت في رفع جاهزية الجيش السوداني.
كما نظّمت الصين برامج لتدريب الضباط والكوادر العسكرية السودانية في مؤسساتها، مما أسهم في تطوير قدراتهم واحترافيتهم في مختلف التخصصات، لا سيما في مجالات الدفاع الجوي، الأمن السيبراني، والسلامة الحدودية.
—
الصين في زمن الحرب: موقف إنساني ودبلوماسي متوازن
منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تبنّت الصين موقفًا إنسانيًا ودبلوماسيًا نادرًا في توازنه. فقد دعت إلى وقف فوري لإطلاق النار، واستئناف الحوار السياسي، ورفضت محاولات بعض الدول لفرض حلول قسرية لا تراعي الواقع المحلي.
وقدّمت الصين مساعدات إنسانية عاجلة للشعب السوداني شملت الغذاء، الدواء، والمستلزمات الطبية، إلى جانب دعم جهود الإغاثة التي تنفذها المنظمات الأممية في السودان. كما قامت بإجلاء رعايا سودانيين من بعض الدول المجاورة، بالتنسيق مع جهات دولية، ما يعكس اهتمامها بالشعب السوداني وليس فقط بالنخبة السياسية.
وفي مجلس الأمن، واصلت الصين رفض أي تحرك دولي يهدف إلى فرض الوصاية على السودان، وأكدت أهمية احترام سيادته ووحدته، مع التشجيع على حل الأزمة عبر حوار وطني شامل.
—
التعاون الاقتصادي: معادلة رابح – رابح
تمتاز الشراكة الاقتصادية بين الصين والسودان بأنها قائمة على تبادل المنافع وليس على الهيمنة أو الإملاءات. فالصين، التي حصلت على امتيازات في قطاعات النفط والتعدين والزراعة، ضخت بالمقابل استثمارات حقيقية، وأنجزت مشاريع تنموية ملموسة.
وشملت مجالات التعاون:
الطاقة والكهرباء والمياه
الزراعة والمشاريع الإنتاجية
التصنيع والاتصالات
مبادرة “الحزام والطريق” التي يُعتبر السودان جزءًا مهمًا منها
كما استفاد آلاف الطلاب السودانيين من المنح الدراسية في الصين، حيث تخرج الكثير منهم في تخصصات نادرة وعادوا ليساهموا في بناء وطنهم.
—
الصين والشعب السوداني.. أواصر ثقافية وإنسانية
تجاوزت العلاقات السودانية الصينية الأطر الرسمية، لتمتد إلى وجدان الشعوب. فقد عُرف عن الصينيين العاملين في السودان احترامهم للمجتمعات المحلية وتفاعلهم الإيجابي مع العادات والتقاليد، بينما وجد المواطن السوداني في الشريك الصيني نموذجًا للانضباط والعمل الجاد.
وشهدت السنوات الماضية تنظيم أسابيع ثقافية وتبادلات تعليمية وفنية، ما عزز جسور التفاهم بين الشعبين. كما دعمت الصين جهود الترجمة بين اللغتين العربية والصينية، وشجعت على التبادل الإعلامي لتقريب الصورة الذهنية وتعزيز الروابط الحضارية.
—
خاتمة: شراكة استراتيجية لمستقبل أكثر إشراقًا
تُبرهن التجربة السودانية الصينية على أن التعاون القائم على السيادة والاحترام المتبادل يمكن أن يحقق تنمية حقيقية، بعيدًا عن أجندات الهيمنة أو المشروطية السياسية.
وفي ظل الحرب الراهنة، يبدو أن الصين ستظل تحتفظ بمكانتها كشريك موثوق وداعم للشعب السوداني، سواء في ملف السلام، أو في إعادة الإعمار، أو في مستقبل التنمية الشاملة.
وإذا أحسن السودان إدارة هذه العلاقة، ووجّهها نحو الشفافية، وحسن استغلال الموارد، واستقطاب الخبرات، فإنه سيكسب شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا تفرضه الضرورة، بل تفرضه الحكمة والمصلحة الوطنية العليا.





