مقالات الرأي
أخر الأخبار

أحداث الدبة: صراع أفراد لا نزاع قبلي شامل – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

شهدت مدينة الدبة بالولاية الشمالية مؤخرًا أحداثًا مؤسفة أسفرت عن سقوط ضحايا وإصابات، ما أثار قلقًا واسعًا حول طبيعة هذه المواجهات وتداعياتها على السلم الاجتماعي. في خضم تضارب المعلومات والشائعات، جاء بيان حكومة الولاية ليضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن ما حدث لم يكن نزاعًا قبليًا شاملًا بين الكبابيش والهواوير، بل تطور لمناوشات فردية بين عدد محدود من الأشخاص إلى مواجهات دامية بسبب استدعاء كل طرف للمؤازرة من ذويه.

إن ما أكده الناطق الرسمي باسم حكومة الولاية، وزير الثقافة والإعلام المكلف الباقر عكاشة عثمان، يحمل أهمية بالغة في فهم جذور المشكلة. بالتأكيد على أن الأحداث بدأت كـ “مناوشات بين جزء محدود من بطون قبيلتي الكبابيش والهواوير يُشتبه في تورط بعضهم في أنشطة غير قانونية تتعلق بالتهريب” يزيح الستار عن السبب الحقيقي وراء الشرارة الأولى. هذا يعني أن القضية ليست خلافًا أصيلًا بين القبيلتين على مستوى النظار والعمد، بل هي نتيجة لتصرفات فردية مرتبطة ربما بأنشطة إجرامية.

لقد كان استدعاء “المؤازرة من ذوي” الأطراف المتنازعة هو نقطة التحول التي فاقمت الوضع من مناوشات محدودة إلى مواجهات دموية راح ضحيتها أربعة مواطنين. وهذا ما يعطي “الانطباع الخاطئ بأن الأمر خلاف بين القبيلتين على مستوى النظار والعمد وهو خلاف الواقع”، كما أشار البيان. هنا تكمن خطورة تأويل الأحداث بشكل خاطئ، فمن شأن ذلك أن يغذي الفتنة ويوسع نطاق النزاع ليطال مكونات اجتماعية أوسع لا علاقة لها بالخلاف الأصلي.

يثمن التدخل العاجل للقوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، والذي أدى إلى احتواء الموقف وفض الاشتباكات والسيطرة التامة على الأوضاع. هذا التدخل السريع يؤكد على أهمية الدور الأمني في حفظ الأرواح والممتلكات ومنع تفاقم الأزمات. كما أن تأكيد حكومة الولاية على أن “القانون سيأخذ مجراه ولن يتم التساهل مع كل من شارك أو حرّض أو تسبب في هذه الأحداث”، هو رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه زعزعة الأمن أو استغلال الخلافات الفردية لإشعال الفتنة. فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون هو السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار مثل هذه الأحداث المؤلمة.

إن دعوة وزير الثقافة والإعلام المكلف لـ “جميع المواطنين بضبط النفس، والتمسك بقيم السلم المجتمعي وعدم الانجرار وراء أي دعوات للفتنة أو التحريض” تأتي في وقتها. فالمجتمعات التي تنزلق إلى مستنقعات التفرقة والعنف لا تجني سوى الدمار والخسارة. إن شمال السودان، بتاريخه العريق ووحدة نسيجه الاجتماعي، لا يحتمل مثل هذه الانزلاقات. بالمحافظة على السلم الأهلي والتعايش السلمي بين كافة المكونات القبلية هي مسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع.

في الختام، يجب أن نتعلم من أحداث الدبة أن التسرع في الحكم على الأمور وتصنيفها على أنها “صراعات قبلية” قد يكون مضللاً وخطرًا. فالكثير من النزاعات تبدأ خلافات فردية أو جنائية، لكنها تتفاقم بسبب غياب الحكمة والتسرع في استدعاء الدعم العشائري، ما يؤدي إلى تداعيات خطيرة على المجتمع بأكمله. يبقى الأمل معلقًا على يقظة المجتمع ووعيه، والتزامه بقيم التسامح والتعاون، ووقوفه صفًا واحدًا في وجه كل من يحاول إثارة الفتن.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام