مقالات الرأي
أخر الأخبار

معركتان لا معركة واحدة: رؤية الدكتور كامل إدريس لمستقبل السودان – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في خضم التحديات الجسام التي يواجهها السودان، يأتي حديث الدكتور كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء الانتقالي، ليضع النقاط على الحروف ويحدد بوضوح ملامح المعركة الحقيقية التي يخوضها الوطن. لم تعد المسألة مجرد مواجهة عسكرية ضد الميليشيات، بل امتدت لتشمل جبهة أخرى لا تقل خطورة: الحرب ضد خطاب الكراهية والإشاعات. هذا التشخيص الدقيق للوضع الراهن، وما يتبعه من دعوة للقوى السياسية إلى مشروع استشفاء وطني شامل، يمثل خارطة طريق ضرورية للخروج من الأزمة الحالية وبناء مستقبل مستقر.

لطالما عانت المجتمعات التي تمر بصراعات داخلية من تفشي خطاب الكراهية والتحريض، والسودان ليس استثناءً. فبينما تدور رحى المعارك على الأرض، تنتشر الإشاعات المغرضة والأكاذيب الممنهجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات المختلفة، تعمل على تسميم الأجواء، وتعميق الانقسامات، وتأجيج مشاعر العداء بين مكونات الشعب الواحد. هذه الحرب الخفية، حرب الكلمات المسمومة، تستهدف النسيج الاجتماعي ذاته، وتفتت ما تبقى من روابط الثقة والتلاحم، مما يجعل مهمة إعادة بناء الوطن أكثر صعوبة وتعقيدًا. إنها معركة تهدف إلى تدمير الروح الوطنية، وتشويه الحقائق، وتضليل الرأي العام، وبالتالي إضعاف الجبهة الداخلية لصالح من يسعون إلى الفوضى والدمار.

تشخيص الدكتور إدريس لهذه الجبهة الموازية ينم عن فهم عميق لطبيعة الصراع الراهن. فالميليشيات لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تستند أيضًا إلى خطاب التعبئة والتحريض الذي يغذي الكراهية ويبرر العنف. ولذلك، فإن الانتصار الحقيقي لن يتحقق إلا بمعالجة كلا الجانبين: دحر القوة العسكرية للميليشيات، وفي الوقت نفسه، تفكيك بنية خطاب الكراهية الذي يغذيها ويمنحها الشرعية في أذهان بعض المضللين.

الدعوة إلى “مشروع استشفاء وطني شامل” ليست مجرد شعار، بل هي ضرورة قصوى. فبعد عقود من الاستقطاب السياسي، والصراعات المتكررة، والتجارب المريرة، باتت الجراح عميقة، وتحتاج إلى معالجة شاملة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار أو تسوية سياسية عابرة. هذا المشروع يجب أن يرتكز على مبادئ العدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، وتعزيز قيم التسامح والقبول بالآخر. يجب أن يشمل مبادرات لتوثيق الجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان، ليس بهدف الانتقام، بل لضمان عدم الإفلات من العقاب وردع تكرار هذه الفظائع في المستقبل. كما يتطلب استثمارًا حقيقيًا في التعليم والإعلام لتصحيح المفاهيم الخاطئة، وبناء ثقافة مدنية تقوم على احترام التنوع والعيش المشترك.

إن مسؤولية تنفيذ هذا المشروع لا تقع على عاتق الحكومة الانتقالية وحدها، بل تتطلب تضافر جهود جميع القوى السياسية والمدنية في البلاد. فالوحدة الوطنية ليست مجرد خيار، بل هي شرط أساسي للنجاة من هذه الأزمة الوجودية. على القوى السياسية أن ترتقي فوق خلافاتها الضيقة، وتضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر. يجب أن تتوقف عن تبادل الاتهامات والتخوين، وأن تمد جسور التواصل والحوار، وأن تعمل معًا لوضع رؤية مشتركة لمستقبل السودان.

الرؤية التي طرحها الدكتور كامل إدريس بشأن خوض معركة مزدوجة ضد الميليشيات وخطاب الكراهية والإشاعات، بالإضافة إلى دعوته لمشروع استشفاء وطني شامل، هي في رأيي رؤية بالغة الأهمية وضرورية لإنقاذ السودان من الهاوية التي يتجه إليها. إنها تشخيص دقيق وجريء لمشكلة السودان متعددة الأوجه، فليست الأزمة مجرد صراع مسلح، بل هي أزمة شاملة تمتد إلى تفتت النسيج الاجتماعي والسياسي.

تعتبر هذه الرؤية ضرورية من المعالجة الشاملة للأزمة، الدكتور إدريس يدرك أن أي حل عسكري وحده لن يحقق سلامًا مستدامًا. خطاب الكراهية والإشاعات هو وقود للصراع، يزرع الشقاق ويهدم أي محاولة للمصالحة. معالجة هذا الجانب النفسي والاجتماعي هي أساس لبناء الثقة وإعادة اللحمة الوطنية، ويذهب المشروع المقترح “للاستشفاء الوطني” إلى ما هو أبعد من مجرد الحلول المؤقتة. إنه يعالج الجروح العميقة التي تراكمت عبر عقود من الصراعات والظلم (الجذور)، ويهدف إلى بناء مجتمع أكثر تسامحًا ومرونة، مع تسليط الضوء على أن حرب الكلمات لا تقل خطورة عن حرب الرصاص هو أمر جوهري. الدعاية والتضليل يمكن أن يطيل أمد النزاعات ويزيد من تعقيدها.

هل القوى السياسية السودانية مستعدة لتبني هذا المشروع؟ … هنا تكمن الصعوبة الكبرى والتحدي الأكبر. تاريخ السودان الحديث يظهر أن القوى السياسية، على اختلاف أطيافها، غالبًا ما تكون أسيرة خلافاتهم الأيديولوجية ومصالحها الضيقة. عدة عوامل تجعل تبني هذا المشروع الشامل أمرًا بالغ الصعوبة منها الاستقطاب الحاد، فالمجتمع السياسي السوداني يعاني من استقطاب حاد وتشكك متبادل. كل طرف يميل إلى إلقاء اللوم على الآخر، وتغليب مصالحه الحزبية أو الفئوية على المصلحة الوطنية العليا. هذا الجو يجعل من الصعب بناء توافق حقيقي حول مشروع بهذا الحجم، مع غياب الثقة، سنوات من التنافس والصراعات، والاتفاقيات التي لم تكتمل، والانقلابات التي أجهضت التحولات الديمقراطية، خلقت غيابًا عميقًا للثقة بين المكونات السياسية المختلفة. مشروع الاستشفاء الوطني يتطلب قدرًا هائلاً من الثقة المتبادلة والنية الصادقة للعمل المشترك.

للأسف، بعض القوى السياسية نفسها تسهم في نشر خطاب تحريضي للكراهية، إما عن قصد أو نتيجة لعدم القدرة على التحكم في قواعدها الشعبية. هذا السلوك يتناقض بشكل مباشر مع جوهر مشروع الاستشفاء، بجانب تأثير الأطراف الخارجية، والتدخلات الإقليمية والدولية، التي غالبًا ما تدعم أطرافًا على حساب أخرى، تزيد من تعقيد المشهد السياسي وتقلل من فرص التوافق الداخلي.

بينما تبدو الرؤية مثالية ومستقبلية، فإن الواقع السياسي في السودان يتطلب حلولًا فورية للأزمة الإنسانية والأمنية الطاحنة. قد تجد القوى السياسية صعوبة في التركيز على “الاستشفاء طويل الأمد” بينما يعاني الناس من الجوع والنزوح والخوف اليومي، وباختصار، بينما تُعتبر رؤية الدكتور كامل إدريس بوصلة صحيحة وضرورية للسودان، فإن استعداد القوى السياسية لتبنيها يظل محل شك كبير. النجاح سيعتمد على مدى قدرة هذه القوى على تجاوز خلافاتها، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، والتحلي بالشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء السابقة والعمل بصدق من أجل مستقبل مشترك.

في الختام، يمثل حديث الدكتور كامل إدريس نقطة تحول مهمة في فهم طبيعة الصراع السوداني. فالمعركة ليست مقتصرة على البنادق والرصاص، بل تمتد لتشمل العقول والقلوب. والانتصار الحقيقي لن يتحقق إلا عندما يتمكن السودان من دحر الميليشيات، وفي الوقت نفسه، يطهر نفسه من سموم الكراهية والإشاعات، ويبدأ رحلة شفاء وطني شامل تعيد له عافيته ووحدته. إنها مهمة شاقة بلا شك، ولكنها ليست مستحيلة إذا ما تضافرت الجهود وتوحدت الإرادات نحو هدف واحد: سودان آمن، مستقر، ومزدهر.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام