
يُقال إن الإنسان ابن الأرض. لكن في السودان، يبدو أن الأرض تطلب شهادة ميلاد مصدّقة من مسؤول نافذ قبل أن تعترف بك كواحد من عيالها. وإن لم تكن ابن مسؤول، أو ابن وصي، أو ابن ملف “محوّل”، فاعذرها إن أنكرتك. هي لا تُجيد الحفاوة بالفقراء.
في بلادنا، قطعة الأرض ليست حقًا، بل “جائزة ترضية”، تُمنح لمن يجيد فن التوقيع، أو من له خال “واصل”. صارت الخرائط توزع في الظلام، والقرارات تُكتب في غرف فيها تكييف أكثر مما فيها عدالة. والمواطن الحقيقي؟ ينتظر تحت الشمس، وفي النهاية يُطلب منه إثبات أنه لم يسرق أرضه من نفسه!
في الزُلماب، حيث كان الفدان يُورّث مع الاسم، نزلت اللجان كالمطر الغزير… لا تسقي، بل تغرق. جاءت بأوراق لا تعرف التراب، ولا تعرف الوجوه، لكنها تعرف التوقيع الرسمي. وعلى المواطن أن يُثبت للمفتش – القادم من العاصمة – أن النخلة التي غرسها ليست دليلًا على التعدي!
أما في أطراف أم درمان، فالقطعة تُمنح قبل أن تُرسم. هناك أناس يملكون الأرض وهم في الخارج، ويُوقّعون العقود قبل أن تعقد اللجنة اجتماعها. ولأنهم “ناس مرتبة”، لا يظهرون في الطوابير، ولا يعرفون أين تقع الأرض، لكنهم يملكون خريطة، وختمًا، وظهرًا محميًا.
وفي شمال بحري، حيث لا تزال الأرض تحمل نكهة الطمي وأسماء الأجداد، بدأت تظهر “أسماء جديدة” لا يعرفها أحد من السكان. تُحجز المساحات باسم من لا يسكنها، وتُباع قبل أن تُقسَّم، وتُمنح امتيازات خاصة لمن لا يحمل في يده إلا هاتفًا واسمًا ثلاثيًا ثقيلًا بالحظوة.
في سوبا، في شندي، في القضارف، لا فرق. تتبدل أسماء القرى، ويبقى المشهد ثابتًا: من يسقي الأرض يُطرد، ومن لا يعرف شكلها تُهدى إليه. ومن يعترض، يُقال له: “أين كانت أوراقك حين التقينا بالتوصية؟”
ولأننا نعيش في دولة تحب الشكليات، فكل شيء يتم “حسب الإجراءات”. إجراءات لا يعرفها إلا من جلس في المقاعد المكيّفة، ومرّ عبر أبواب لا تُفتح إلا بكلمة سر: “ناسنا”.
ولأن الفضيحة ممنوعة، فحين تعلو الأصوات، تُشكّل اللجان. لجان من نوع خاص: لا ترى، لا تسمع، لا تُدين. وتكتب تقاريرها بنبرة باردة، تقول فيها: “لم تُثبت التجاوزات بما لا يدع مجالًا للشك”. بل إن بعض أعضاء اللجان يملكون أراضٍ في نفس المناطق التي “يُحققون” فيها، لكن لا تقلق، هذا ليس تضارب مصالح… بل تضامن مصالح.
أما القضاء؟ فحدث ولا حرج. تذهب إليه لتبكي على الأطلال. تصدر الأحكام بعد أن تُبنى العمارة، وتُباع القطعة، ويُقسط الفساد على 24 شهرًا بدون مقدم. القضاء لا يُعيد الأرض، بل يُعطيك مستندًا أن خسارتك رسمية.
ورغم هذا السواد، لا نزال نضحك. ونقترح – من باب الكوميديا السوداء – أن تُجرى مقابلة لمن يطلب قطعة أرض، تتضمن الأسئلة التالية:
1. هل لديك قريب بدرجة “وزير ظل”؟
2. هل تعرف أحدًا في التخطيط الحضري؟
3. هل دفعت يومًا “حق العشاء” لإكمال المعاملة؟
إن أجبت بلا، فتهانينا! أنت مواطن شريف… يُرجى مغادرة الطابور فورًا، فهذه البلاد لا تملك لك مترًا، لكنها قد تكرمك بوسام النزاهة وجواز سفر في اتجاه واحد.
إنها ليست صرخة ضد الأرض، بل من أجلها. ليست ضد الدولة، بل ضد من حوّل الدولة إلى مكتب توصيات. المواطن السوداني ما زال يقف، لا ليطلب فيلا ولا مشروعًا… فقط متر واحد. متر من أرض، ومتر من عدل، ومتر من كرامة.
وإن كان ذلك كثيرًا… فامنحونا على الأقل حق أن نضحك على أنفسنا، قبل أن نُصبح نكتة على شفاه التاريخ .





