
*بورتسودان – يوليو 2025م*
– قلت لحِماري، وقد كنت أقرأ في دفتر الذاكرة السوداء:
ــ هل سمعت عن ذلك الرجل الذي كان يمشي خلف رئيسه كما تمشي الظل خلف القدم؟
هز أذنه كعادته حين تُذكر الفواجع، وقال:
ــ أتبغي أن تحكي لي عن الخادم الذي كان يسقي الزرع بيمينه ويُسمّم الجذر بيساره؟
قلت:
ــ بل عن رجلٍ كان يُفتح له الباب قبل أن يُطرَق، ويُسلَّم عليه قبل أن يُحيّي، ثم انقلب على من ربّاه، وقلب عليه ظهر المجنّ.
قال الحمار:
ــ أيُّ المجانين ذلك؟!
قلت:
ــ مجنون السلطة، صديق القصور، لابس البذلة الضيقة والابتسامة الواسعة… كان مديرًا لمكتب سيده، حتى إذا تمكّن، زرع حوله العيون، وجعل من الهاتف أذُنًا، ومن الزيارة فخًا، ومن المديح تقريرًا.
قال:
ــ يا للعجب! وهل خيانة البيوت تبدأ من الأحذية؟ أم من عيون الخدم؟
قلت وأنا أتنهد:
ــ إنه لم يكن خادمًا… كان ظلًا ملتصقًا، يتنفس مع الرئيس، يسعل حين يسعل، ويضحك إذا ضحك الناس، لكنه كان يُسجّل كل شيء، ويبتسم حين يطعن.
قال:
ــ ومن علّمه الحيلة؟
قلت:
ــ جلس طويلًا في حضن الخليج، يتعلم من لؤم الرمال وسحر الصمت، حتى صار أكثر خطرًا من البندقية، وأشد دهاءً من الثعبان.
نظر إليّ مليًا، ثم قال:
ــ فهمت… هو ذلك الذي كان عسكريًا بلا معركة، ودبلوماسيًا بلا سفارة، ورجل أسرار لكنه لا يحتفظ بسر.
قلت:
ــ هو بعينه… جمع بين ألقاب كثيرة، لكنه لم يكن يُجيد إلا نسج الخيوط.
قال:
ــ ومن أوقع الرئيس؟
قلت:
ــ خيط من تلك الخيوط… ناعم، شفاف، يشبه الوفاء لكنه مسموم بالخيانة.
ابتسم الحمار وقال:
ــ وهل أُسقِط القصر بمدفع؟
قلت:
ــ بل بمذكرة، بختم، بمكالمة مُسجّلة، بصمت طعنه من الخلف.
ثم سألني فجأة:
ــ والآن؟
قلت:
ــ الآن، عاد يمد خيطه من جديد، يُغازل فريسة أخرى… لم تقع بعد، لكنها تقترب من الشبكة.
قال:
ــ وهل رأيت عنكبوتًا يشبع؟
قلت:
ــ بل رأيت من يتوهم أن خيطه من حرير، بينما هو من لعاب الخيانة.
ضحك الحمار طويلًا وقال:
ــ نحن، يا صاحبي، نركب الأكتاف لنحمل أثقال الناس… أما بعضكم، فيركب الأكتاف ليطعن من فوق.
ثم مضى… لا إلى الحظيرة، بل إلى ظل بعيد، وقال قبل أن يختفي:
*ــ الخيانة لا تبدأ حين تسقط القلاع، بل حين تدخل الخيوط بين ملابس القادة.*





