مقالات الرأي
أخر الأخبار

خيط العنكبوت – الحلقة الاولي – ✍️ عوض الله نواي

*بورتسودان – يوليو 2025م*

 

– قلت لحِماري، وقد كنت أقرأ في دفتر الذاكرة السوداء:

ــ هل سمعت عن ذلك الرجل الذي كان يمشي خلف رئيسه كما تمشي الظل خلف القدم؟

هز أذنه كعادته حين تُذكر الفواجع، وقال:

ــ أتبغي أن تحكي لي عن الخادم الذي كان يسقي الزرع بيمينه ويُسمّم الجذر بيساره؟

 

قلت:

ــ بل عن رجلٍ كان يُفتح له الباب قبل أن يُطرَق، ويُسلَّم عليه قبل أن يُحيّي، ثم انقلب على من ربّاه، وقلب عليه ظهر المجنّ.

قال الحمار:

ــ أيُّ المجانين ذلك؟!

 

قلت:

ــ مجنون السلطة، صديق القصور، لابس البذلة الضيقة والابتسامة الواسعة… كان مديرًا لمكتب سيده، حتى إذا تمكّن، زرع حوله العيون، وجعل من الهاتف أذُنًا، ومن الزيارة فخًا، ومن المديح تقريرًا.

قال:

ــ يا للعجب! وهل خيانة البيوت تبدأ من الأحذية؟ أم من عيون الخدم؟

 

قلت وأنا أتنهد:

ــ إنه لم يكن خادمًا… كان ظلًا ملتصقًا، يتنفس مع الرئيس، يسعل حين يسعل، ويضحك إذا ضحك الناس، لكنه كان يُسجّل كل شيء، ويبتسم حين يطعن.

 

قال:

ــ ومن علّمه الحيلة؟

قلت:

ــ جلس طويلًا في حضن الخليج، يتعلم من لؤم الرمال وسحر الصمت، حتى صار أكثر خطرًا من البندقية، وأشد دهاءً من الثعبان.

 

نظر إليّ مليًا، ثم قال:

ــ فهمت… هو ذلك الذي كان عسكريًا بلا معركة، ودبلوماسيًا بلا سفارة، ورجل أسرار لكنه لا يحتفظ بسر.

قلت:

ــ هو بعينه… جمع بين ألقاب كثيرة، لكنه لم يكن يُجيد إلا نسج الخيوط.

 

قال:

ــ ومن أوقع الرئيس؟

قلت:

ــ خيط من تلك الخيوط… ناعم، شفاف، يشبه الوفاء لكنه مسموم بالخيانة.

 

ابتسم الحمار وقال:

ــ وهل أُسقِط القصر بمدفع؟

قلت:

ــ بل بمذكرة، بختم، بمكالمة مُسجّلة، بصمت طعنه من الخلف.

 

ثم سألني فجأة:

ــ والآن؟

قلت:

ــ الآن، عاد يمد خيطه من جديد، يُغازل فريسة أخرى… لم تقع بعد، لكنها تقترب من الشبكة.

 

قال:

ــ وهل رأيت عنكبوتًا يشبع؟

قلت:

ــ بل رأيت من يتوهم أن خيطه من حرير، بينما هو من لعاب الخيانة.

 

ضحك الحمار طويلًا وقال:

ــ نحن، يا صاحبي، نركب الأكتاف لنحمل أثقال الناس… أما بعضكم، فيركب الأكتاف ليطعن من فوق.

 

ثم مضى… لا إلى الحظيرة، بل إلى ظل بعيد، وقال قبل أن يختفي:

*ــ الخيانة لا تبدأ حين تسقط القلاع، بل حين تدخل الخيوط بين ملابس القادة.*

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام