مقالات الرأي
أخر الأخبار

معركة التبعيات ✍️ عوض الله نواي

– بعد أن تجاوزت عجلات قطار الحكومة كل عقبات الطريق، مُخترقة ركامًا من النفايات السياسية والإدارية، تبدو المعركة الحقيقية ليست في الوصول إلى محطة التشكيل الوزاري، بل في ما بعد ذلك: معركة التبعيات.

 

– في كتابات سابقة، تحدثنا صراحة عن دور الدكتور حسين الحفيان، العرّاب والمنظر الخفي لحكومة كامل إدريس ومن معه خلف الكواليس. حديثنا وقتها لم يقبله البعض، لكن الحقيقة لا تتغير بقبول الناس أو إنكارهم. الحقيقة أن شخصًا يعمل داخل منظومة الدولة دون تكليف رسمي، فقط بصفة “متطوع”، هو معضلة في حد ذاته.

– كيف نمنح شخصًا حق التخطيط لدولة بلا مرسوم، بلا صفة، بلا مساءلة؟ يشبه ذلك الموظف الذي أفنى عمره في الخدمة، ثم جئ به في لحظة بالمشاهرة… لا يخضع لمحاسبة، وإن حوسب فلا تفرق معه كثيرًا.

 

– المؤسسات الكبرى التي كانت وما زالت محل جدل منذ عهد البشير هي: بنك السودان، بنك النيلين، بنك الخرطوم، جهاز المخابرات العامة، شركات الذهب والتعدين، شركات المنظومة الأمنية، الهيئة القومية للاتصالات، سودانير، مشاريع السكر، ديوان الزكاة، الصندوق القومي للضمان الاجتماعي والمعاشات، صناديق إعمار الشرق والغرب ودارفور، الشركات التابعة لمجلس السيادة.

السؤال الأخطر: كيف ستُفصل تبعية هذه المؤسسات؟ ولمن ستكون الكلمة العليا؟

 

– ما يدور في مخيلتي – وربما في مخيلة كثيرين – هو مشهد افتراضي قد لا يبتعد كثيرًا عن الواقع:

يجلس الحفيان في جلسة غير رسمية مع رئيس الوزراء بعد إعلان التشكيل الحكومي الأخير، يلتفت نحوه ويسأله:

“الآن بعد أن عيّنا معتصم أحمد صالح وزيرًا للرعاية والضمان، ونور الدائم طه وزيرًا للمعادن… كيف نفصل تبعية هذه المؤسسات؟”

 

 

الخاتمة

 

– هذه هي معركة التبعيات التي ستحدد إن كانت الحكومة الجديدة قادرة على إدارة دولة أو ستظل مجرد واجهة سياسية لدولة تُدار كما تُدار الشركات الخاصة… بمنطق من يسأل: “لمن تتبع هذه المؤسسة؟”، لا بمنطق دولة تحكمها الدساتير.

 

– وإذا كان الصديق عبد الباقي الظافر قد شبه الحفيان بـ”كارل روف”، فإن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

كارل روف كان يعمل في دولة لها دستور ورئيس منتخب، أما “كارل روف السوداني” فيعمل في دولة ما زالت تبحث عن مؤسساتها، بلا مرسوم، بلا تكليف، وبلا رقابة.

– والفرق بين الاثنين كالفرق بين رجلٍ يقود حملة انتخابية ورجلٍ يهمس في أذن رئيس الوزراء:

“افصل هذه التبعية عن تلك، واربط هذه المؤسسة بتلك…”

لتصبح الدولة كلها في النهاية مجرد لوحة أسهم داخلية لشركة خاصة، يُغيَّر فيها المسمى الوظيفي بتوقيع، وتُحذف فيها كلمة “سيادة” من قاموس الحكم.

 

– ما نحتاجه الآن ليس “عرّابًا متطوعًا” يخطط من الظل، بل رجالًا يحكمون من الضوء، وبدستور لا بقرابة، وبمؤسسات لا بأسماء

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام