
– في السودان، الدولار ليس مجرد ورقة نقدية، إنه أشبه بضيف ثقيل لا تستطيع الحكومة طرده ولا تحتمل بقائه… علاقة غريبة منذ عهد الإنقاذ البائد، علاقة من نوع “لا بريدك ولا بتحمل بعادك”.
هذا “أبو صلعة” الذي أرهق جيوب السودانيين وصبرهم، صنفته الحكومات المتعاقبة إلى فئات كما يُصنف اللحم في سوق الجزارة: دولار جمركي لحساب الرسوم والضرائب، دولار حصائل صادر لمحاباة كبار التجار، ودولار السوق الموازي الذي يدللونه بتسمية “السوق الموازي” كنوع من تلميع وجهه الأسود.
– قبل أيام من حل الحكومة السابقة، كان الدولار الجمركي مستقراً على 2,167 جنيهاً، ثم فجأة – وكأن القرار خرج من مكتب جانٍ بليل – قفز إلى 2,400 جنيه. تقول الرواية الرسمية إن الحكومة أقرته، لكن السؤال الذي يلح على الأذهان: من الذي اتخذ هذا القرار فعلياً؟
هل أصدره وزير المالية المنوط به الأمر قبيل مغادرته الوزارة؟ أم أنه صدر في فترة الفراغ السياسي التي عاشتها البلاد، حيث كانت الوزارات توزع “كيكة السلطة” بينما يعبث موظف مجهول بجيوب المواطنين؟
⸻
*أثر الزيادة.. المواطن يدفع الثمن وحده*
– زيادة الدولار الجمركي لم تكن مجرد رقم على ورق، بل كانت رصاصة في جسد الاقتصاد المنهك. سلعة مستوردة قيمتها 1,000 دولار باتت تُحتسب رسومها على أساس 2.4 مليون جنيه بدلاً من 600 ألف قبل سنوات قليلة… فكيف لا ترتفع الأسعار؟
• السكر والدقيق والزيت والأرز قفزت أسعارها كالمجنونة، لأن المستورد لا يجد إلا جيب المواطن ليعوض خسائره.
• مواد البناء تضاعفت، فبناء غرفة واحدة صار حلماً بعيد المنال.
• وحتى الدواء الذي يُفترض أن يكون خطاً أحمر، لم ينجُ من أثر هذه الزيادة.
– في المقابل، من استفاد؟ لا أحد سوى المضاربين والوسطاء الذين يربحون من هذه الفوضى السعرية، بينما المواطن السوداني هو الذي يدفع الفاتورة كاملة.
⸻
*أين الوزير؟*
– اليوم، وبعد إعادة وزير المالية إلى وزارته “المدللة”، بات عليه أن يواجه سؤال الشارع السوداني:
هل ستستمر في سياسة إنهاك الجيب السوداني لدعم خزائن الحكومة؟ أم ستتخذ خطوات تعيد للدولار هيبته وتخفف وطأته؟
*إذا كان جاداً فعليه أن يبدأ فوراً بـ:*
1. مراجعة سعر الدولار الجمركي وتقليص الفجوة بينه وبين السوق الموازي.
2. دمج حصائل الصادر في سوق رسمي موحد حتى لا تبقى لعبة في يد الكبار.
3. توجيه فرق الرسوم الجمركية لدعم السلع الأساسية لا خزائن المتنفذين.
4. إشراك القطاع الخاص في تحديد الأسعار لتفادي زيادات مفاجئة.
⸻
*الخاتمة*
أبو صلعة المدلل صار يُجهِد هذا الوطن كما لم يُجهده عدو خارجي. السؤال للوزير الذي عاد اليوم لمكتبه: هل تملك الشجاعة لترويضه؟ أم ستبقيه كما هو… ينهش لحم الشعب قطعة قطعة؟





