مقالات الرأي
أخر الأخبار

مجاعة السودان ومجاعة غزة… جوع الأوطان حين تجوع العقول ✍️ عوض الله نواي

*المقدمة:*

 

– مجاعة السودان… كلمة تعيد للأذهان صورًا لم تُمحَ من الذاكرة بعد. تلك الصورة الساحبة التي هزّت ضمير العالم: طفل سوداني هزيل، يمسك بصحن فارغ، عيناه تتطلعان إلى المساء كأنه ينتظر قطعة خبز تسقط من السماء، بينما النسور تحوم في انتظار موته لتلتهم جسده الضامر.

كانت تلك حقبة قاسية ظنّ الناس أنها لن تعود… حقبة “سنين ريغان”، حين جاءت الإغاثة الأمريكية محمّلة بذرة تالفة ومسوسة – زرة تأكلها البهائم في أمريكا – لكنها أُرسلت إلى إنسان إفريقيا الجائع، في مشهد يختصر نفاق العالم الذي “يقتل القتيل ويمشي في جنازته معزيًا الأقدار”.

 

– واليوم، تتكرر المأساة في السودان وغزة معًا، وكأن أقدار السماء تربط مصير شعبين بمسافة آلاف الكيلومترات، لكن بقدر مشترك: الحروب والدمار والخراب.

– اليهود أحرقوا غزة وجوّعوا أهلها، واليهود من الدعم السريع أحرقوا السودان وجوّعوا أهله؛ حصار في غزة، وحصار في الفاشر وكادقلي والدلنج.

 

– السودان ليس بلدًا فقيرًا ليجوع أهله، لكنه بلد جاع حين جاعت عقول نُخبه. الطبيعة ساهمت في سنين الجفاف السابقة، نعم، لكن الخراب الحقيقي صُنع بيد الإنسان حين جعل السلطة والحكم غاية، والقتل والنهب وسيلة.

“الله جعل هذه الأرض لنعمرها لا لنقتل بعضنا بعضًا، وعندما يكثر الفساد وتسفك الدماء البريئة، يزيد غضب الله علينا.”

 

 

– الجوع في غزة… موت بطيء بحصار مقصود

 

غزة اليوم هي عنوان الخذلان. أكثر من 80% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الغذائية، وطفل واحد من كل ثلاثة يعاني من سوء تغذية حاد، بحسب تقارير الأمم المتحدة. الأمهات يطبخن الحشائش وأوراق الشجر، والرضع يموتون لأن الحليب صار ممنوعًا.

الحصار الصهيوني لا يكتفي بالقصف، بل يجعل الخبز معركة يومية والدواء ترفًا بعيد المنال. والمفارقة أن بعض الأنظمة العربية تتفرج، بل تساهم في إغلاق المعابر بحجج سياسية واهية، وكأن غزة ليست من لحم هذه الأمة ودمها.

 

 

– الجوع في السودان… أرقام موجعة تكشف خيانة الداخل

 

– السودان الذي يمتلك أطول نهر في العالم، وملايين الهكتارات الزراعية، واحتياطات ذهبية ضخمة، يعيش كارثة جوع حقيقية:

• 18 مليون سوداني في حالة انعدام أمن غذائي حاد.

• في الفاشر، بلغ سعر جوال الفتريته 3 مليارات جنيه، ورطل السكر تجاوز 45 ألف جنيه.

• أكثر من 7 ملايين طفل مهددون بسوء تغذية، بينهم 3 ملايين على حافة الموت البطيء.

 

– هذه الأرقام ليست نتيجة غضب الطبيعة وحدها، بل بسبب حصار داخلي فرضته مليشيا الدعم السريع، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب أي مشروع وطني جاد.

 

 

*… الفلاسفة يتحدثون عن الجوع والحضارة*

 

– الجوع، كما قال الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو: “حين يأكل الأغنياء كثيرًا، يجوع الفقراء دائمًا.” وهذه هي الحقيقة التي تتكرر اليوم في السودان وغزة؛ ليس الجوع قضاءً إلهيًا خالصًا، بل نتيجة ظلم اجتماعي وسياسي ممنهج.

 

– *وقال أفلاطون قبل آلاف:* السنين: “أي مدينة تجوّع أهلها وتُشبع حُكامها، هي مدينة لا تستحق أن تبقى.” ولو عاش أفلاطون اليوم لرأى في الخرطوم وغزة مثالين صارخين لما قاله.

 

*- أما الفيلسوف الصيني:* كونفوشيوس فكان يرى أن: “الحاكم الذي يستهين بجوع شعبه لا يملك شرعية حكمهم.”

وأعادها الفيلسوف الألماني هيغل بأسلوب أكثر قسوة حين كتب: “الجوع هو الثمن الذي تدفعه الشعوب حين تفشل في تنظيم نفسها.”

 

– وفي المقابل، قال المهاتما غاندي وهو أكثر من خبر جوع الشعوب: “الأرض تعطي ما يكفي حاجة كل إنسان، لكنها لا تعطي ما يكفي طمع إنسان واحد.”، وهذه العبارة تختصر مأساة السودان الذي يملك أرضًا تكفي لإطعام نصف إفريقيا، لكنه يعجز عن إطعام شعبه.

 

 

*ما العمل إذن؟*

 

– إذا كانت الطبيعة قد حكمت علينا بالجفاف يومًا، فإن العقول المريضة هي التي حكمت علينا بالجوع اليوم. ولا خلاص إلا إذا صدقنا قول ابن خلدون حين وضع قاعدته الشهيرة: “العدل أساس العمران.” فالعدل وحده – وليس الإغاثات الدولية ولا خطب السياسة – هو الذي يزرع الخبز في أيدي الجائعين، ويعيد الأمل لأطفال ينتظرون الموت تحت أقدام النسور.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام