مقالات الرأي
أخر الأخبار

الخرطوم تنهض من بين الرماد عُدنا.. وكلنا دَين لهذا الوطن ✍️ ليلى زيادة

للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، عدتُ إلى الخرطوم، حبيبتي التي لا تغيب عن القلب، وإن غابت عن العين. لم أكن أعلم كيف سيكون لقاؤنا الأول بعد طول الغياب… كنت أخشى أن تخونني مشاعري، أن تسبقني دموعي، أن أرى ما لا يُحتمل.

فالخرطوم بالنسبة لي ليست مدينةً فحسب، بل هي الوطن، وهي الأم التي احتضنتني منذ طفولتي، وهي الجذر الذي لا يُقتلع مهما تعاظمت العواصف.

 

وأنا صغيرة، كان الناس من حولي يتحدثون عن أوطانهم الأصلية: سنار، الجزيرة، القضارف، نهر النيل، الشمالية… أما أنا، فكنت أقول بكل فخر: “بلدي الخرطوم، وموطني الشقلة – الحاج يوسف”. هناك بدأت حكاية الانتماء، وهناك نبضت ذاكرتي الأولى.

 

خلال الحرب، كانت تتاح لي فرص متفرقة للعودة المؤقتة، لكنني كنت أتردد، لا أريد أن أرى الخرطوم حزينة، مجروحة، مكسورة. كم تألمت لدمارها، وكم بكيت شوقًا لأزقتها، لضحكات ناسها، لزحمة مواصلاتها. لم أفكر قط في مغادرة السودان، لأنني لا أستطيع أن أبتعد عنها، لا أستطيع أن أعيش دونها.

 

وقبيل زيارتي الأخيرة، سمعت كثيرًا من التهويل. بعضهم قال بعيون يائسة: “الخرطوم لم تعد تصلح للحياة”. وقرأنا من كتب: “لا ماء ولا كهرباء ولا أمن ولا كرامة”. لكن داخلي كان يقول عكس ذلك… كنت أؤمن أن الخرطوم ستعود، وأن أبناءها سيُعيدون بناءها، حجراً حجراً، وزقاقاً زقاقاً.

 

وعندما وطئت قدماي أرضها، وجدت الحقيقة التي كنت أؤمن بها. لم أجد مدينة منهارة، بل وجدت نبضًا متسارعًا بالحياة. تجولت بين سوق صابرين، وشارع الشنقيطي، وشارع النص، والثورات… كلها كانت تعج بالحياة، بالمواطنين، بالحركة، بزحام المركبات ونداءات المواصلات المعتادة: “أبو آدم، الكلاكلة، الشهداء، بانت، الحاج يوسف”… كأن شيئًا لم يكن.

 

لكن الأهم من كل ذلك، وجوه الناس…

كانت مشرقة، متفائلة، طيّبة. لم أجد وجهًا عابسًا، بل وجوهًا تسامحت مع الماضي وابتسمت للمستقبل. وجوه تُصافح وتُسالم وتضحك، وكأن الحرب كانت حلمًا سيئًا يُطوى برحمة ورضا.

 

أدركت حينها أن هذا هو السودان الجديد، سودان الوعي، سودان ما بعد المحنة. كل من عاد، عاد بدروس لا تُقدّر بثمن. عادوا يعرفون قيمة الأرض، وأهمية المسكن، ونعمة الأمن، وفضل الجيش الوطني الذي صان تراب البلاد.

 

جميعهم عادوا وهم يحملون في أعماقهم دَينًا للخرطوم، للمدينة التي ولدتنا، وربتنا، وعلّمتنا، وكبّرَتنا.

آن الأوان أن نرد الدين، أن نبنيها من جديد، أن نحبها أكثر، أن نكون عونًا لبعضنا، أن نكون كما كنا، بل أفضل.

 

لقد رأيت في الخرطوم تسارعًا غير عادي نحو البناء، رأيت هِممًا عالية، وتكاتفًا حقيقيًا بين الناس، ورغبة صادقة في النهوض.

هناك، شعرت بأن الخرطوم تعيد ترتيب نبضها.

 

ومن يسألني: “كيف وجدتي الخرطوم؟”

أقول له:

وجدتها حيّة… جميلة… راجعة، تمامًا كأحلامنا.

 

الحمد لله والشكر لله، وشكرًا لجيشنا العظيم، القوات المسلحة السودانية، التي وفرت الأمن وأعادت الحياة إلى شوارعنا.

إيماني راسخ: لا وطن دون جيشٍ واحدٍ يحميه.

فالخرطوم هي السودان، وعِزّتها من عزّة كل سوداني.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام