مقالات الرأي
أخر الأخبار

الرباعية.. الغطاء الاستعماري باسم الوساطة ✍️ عوض الله نواي

هل هبطت علينا “الرباعية” كنبت شيطاني؟ أم أنها شجرة زرعناها بأيدينا ثم تفاجأنا بجذورها وهي تلتف حول عنقنا؟!

 

لم تكن الرباعية ـ التي تضم أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات ـ مخلوقًا فضائيًا تسلل من ثقب في سماء السياسة السودانية. لقد كانت ثمرة مرة لبذرة زرعها بعض أبناء السودان، حين هرولوا نحو العواصم وفتحوا الأبواب للدبلوماسي الأجنبي ليحكم بين “أبناء البيت الواحد”.

 

القصة بدأت حين فُضّ اعتصام القيادة العامة، فجلس ساستنا على قارعة الحدث كمتفرجين في مسرح دموي. ثم، بدلًا من أن يواجهوا الحقيقة، حمل أحدهم الهاتف واتصل بـ”السفارة”. كان بابكر فيصل وعمر الدقير وغيرهم، يبحثون عن وسيط… لا من الداخل، بل من خلف البحار. فاستدعى حميدتي السفير، وطلب أن يتم اللقاء بحضور سفراء الإمارات، والسعودية، وبريطانيا، وأمريكا. وكان ذلك الاجتماع الشهير الذي ضم أنيس حجاز. ومنه خرجت الرباعية إلى الوجود.

 

وساطة أم وصاية؟

 

لم تكتفِ الرباعية برتوق جراح السياسة، بل نصّبت نفسها “طبيبًا شرعيًا” لواقع السودان، تقرأ له الشهادات وتكتب له الروشتات. أشرفت على صياغة الوثيقة الدستورية، ثم دفعت نحو اتفاق إطاري وُلد ميتًا، وكان من هندسة فولكر بيرتس، الذي لعب دور المهندس والمشرف والجلّاد.

 

وعندما اشتعلت الحرب، لم تعد الرباعية وسيطًا، بل تحوّلت إلى غرفة عمليات تحيك الخرائط وتعيد ترتيب الجغرافيا على مقاس مصالحها. عُقدت الاجتماعات في سويسرا، ثم لندن، وها هي اليوم تنعقد في العاصمة الأمريكية لترسم ما تبقى من جسد السودان بخريطة قد لا يُبقي فيها مكانًا لكرامة أو سيادة.

 

*مصر والسعودية: من الحائط إلى الحياد*

 

في بداية الأمر، كانت مصر والسعودية هما “حائط الصد” لأي مؤامرة غربية. لكن يبدو أن المياه جرت تحت الجسور.

 

أمريكا رفعت عصا المساعدات عن ظهر القاهرة، لتُلين موقفها وتطوعه حسب الطلب ، واليوم تجد أمريكا دعمها للجيش المصري وتلعب باوراق المساعدات من جديد. والسعودية ـ برغم انشغالاتها ـ لا تزال توازن بدقة بين أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية. ستُلاوي بلا شك، ولكنها وحدها لا تصنع حلًا، ولا تُسند شعبًا.

 

*استعمار جديد… بلا جنود*

 

ها نحن أمام مشهد يعقد فيه أمر السودان في عواصم العالم، وتُتخذ فيه قراراتنا دون أن نكون حتى على طاولة الحضور!

يُرسم مصيرنا في غيابنا، ويُوقّع على أوراق مصيرية دون استشارة حتى اسم السودان.

 

فهل من تفسير لهذا غير أننا نعيش استعمارًا جديدًا، يرتدي ربطة عنق، ويتكلم لغة “الحرية والديمقراطية”، بينما يغرس في جسدنا خناجر التقسيم؟

 

*خاتمة:*

 

نحن من فتحنا الباب للرباعية، ونحن فقط من يستطيع أن يُغلقه.

فما كُتب في الغرف المظلمة، لا يُمحى إلا بنور الإرادة الوطنية.

 

“لا تحكوا عن حريةٍ يُمليها السفير… ولا عن سلامٍ تُهندسه الشركات الأجنبية.”

 

هل نكتب دستورنا بأيدينا… أم نمضي في انتظار الاجتماع القادم في واشنطن؟!

 

 

*خاتمة: لا خيار إلا المجابهة الوطنية*

 

إن المشهد الحالي لا يكتمل دون تذكيرٍ موجعٍ بواحدة من أكثر محطات العبث السياسي في تاريخ السودان الحديث، حين سُلّمت أوراق التفاوض بعد سقوط الخرطوم إلى راعي غنم سابق، كي “يحاور” باسم القوات المسلحة، ويتحدث باسم الدولة، لا لشيء سوى لأنه كان في حضن الرباعية وموضع رضاها.

 

ولأننا لم نضع الأمور في نصابها، ها هو الرجل اليوم – بعد أن سلّم العاصمة لعصابة، وهرب – يشعل نيران حرب جديدة من منفاه، ويُعلن عن “حكومة منفى” لا تُمثّل إلا الخزي، متحديًا بها العالم، ومستقويًا بمالٍ خارجي وسلاحٍ لا يعرف الشرف ولا المعركة.

 

إننا اليوم على مشارف اجتماع جديد للرباعية في واشنطن، وإذا كانت هذه الدول تدّعي احترام سيادة السودان، فعليها أن تبدأ بإعلان صريح وواضح برفض أي كيان “موازي” أو “منفى” يُمنح غطاءً دبلوماسيًا أو تمويلاً أو منبرًا. لا تسوية مع من تلطخت يداه بدماء الشعب.

 

لكن المسؤولية ليست على الرباعية وحدها، فالميدان لا يُدار ببيانات الإدانة، ولا تُحمى السيادة بالمناشدات.

 

على الجيش، وقيادته تحديدًا، أن يتحملوا مسؤوليتهم كاملة. لا وقت للمجاملة. إن قيادة الدولة ليست ترفًا سياسيًا – كما ظن البعض – بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية، تستدعي الوضوح والحسم، لا الغياب والتردد.

إن اللحظة الراهنة تتطلب قرارات كبرى تحفظ وحدة البلاد، وتُعلن للعالم أن للسودان رجالًا لا تُدار أوطانهم من الخارج.

 

“ومن يهن يسهلِ الهوانُ عليه، ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ”

 

وكما قال الفيلسوف الألماني هيغل:

“التاريخ لا يرحم الأرواح الضعيفة، بل يحتفظ فقط بذكرى من امتلكوا شجاعة الفعل.”

 

أما مالك بن نبي، فكان أبلغ حين قال:

“الاستعمار لا يدخل أرضًا إلا إذا كان أهلها مستعمرين من داخلهم.”

 

فلنكتب – نحن لا الرباعية – صفحة الخروج من الأزمة.

ولتكن أولى الكلمات:

“هذا وطن لا يُدار بالوكالة… ولن يُقسم بالمراسيم الدولية.”

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام