مقالات الرأي
أخر الأخبار

عندما يُبتر النَسَب على قارعة الحرب… ✍️ عوض الله نواي

في زاوية مُهملة من ركام الخراب، وقفت الطفلة كأنها آخر الناجين من قصة كانت تُروى بصوت أمها… قبل أن يُسكَت الصوت إلى الأبد.

 

وعلى مقربة منها، جلس أخوها الصغير يحدق في الأرض، لا بكاء، لا صراخ، لا سؤال. كأن الدمع جفّ، وكأن الفجيعة شلّت لغة النداء. فقط وجوه شاحبة، وعيون تحمل كل ما لا تستطيع الأفواه قوله.

 

*طفلة وطفل… لم يبق لهم أحد.*

كل العائلة – كما يروي من التقط الصورة – ضاعت دفعة واحدة. قُتل الأب، وغابت الأم تحت الأنقاض، واختفى الجد في مشهد لا شهود عليه إلا الغبار… وبقيا هما – كشاهدي قبر مفتوح على الحياة!

 

 

ما الذي يمكن أن تقوله لطفلٍ لم يفهم بعد معنى “الموت”، لكنه أدرك جيدًا معنى “الوحشة”؟

كيف تفسر له أن لا أحد سيأتي ليأخذه بعد اليوم؟ لا “ام ” تقول له: “غسّلتك؟ لبستك؟ أكلّتك؟”، ولا “أب” يرفعه على كتفيه ليضحك، ولا أحد يسأل إن نام دافئًا أو قضى الليل خائفًا؟

 

إنها الحرب… لا تُقتل فيها الأجساد فحسب، بل تُقتل فيها جذور النسب، يُقتلع التاريخ من أفواه الأطفال قبل أن يُنطَق، ويُترك الصغار في مهب العدم، بلا كفٍّ حانية، ولا شجرة نسب، ولا رغيف أمان.

 

 

لم يكن في المكان غير الصمت… صمت ثقيل لا يشبه سكون الليل، بل سكون المقابر.

كل شيء يشي بأن الزمن توقّف. لا رائحة طعام، لا صوت أم، لا ضجيج إخوة، لا ظلّ أب يتفقد الأبواب قبل النوم.

البيت الذي كان، صار فراغًا. والضحكة التي كانت، صارت ذكرى عالقة في زوايا الرأس… تخنق القلب كلما حاول أن يصدّق أن ما حدث حقيقة لا كابوس.

 

 

في لحظة واحدة… تغيّرت كل قوانين العالم بالنسبة لهما.

لم يعد “البيت” يعني الجدران، بل غيابه.

لم تعد كلمة “أهل” تُطلق على أحد، بل صارت بقايا صوت في الذاكرة لا يعرفان إن كان حقيقيًا أم حلمًا قديمًا.

الطفل الذي كان لا يعرف من الدنيا سوى دمية خشبية، بات يعرف أسماء الأسلحة، ويخاف من هدير الطائرات، ويرتجف إذا سمع بابًا يُغلق بقوة.

 

 

كيف يحزن طفل بلا أم تضمّه؟

كيف يبكي من لا يجد في حضنه سوى حضن أخته الصغيرة، التي بالكاد تفهم أن الخوف ليس قدرًا بل لعنة؟

أي حليب سيشبع جوعًا لا يسكن في البطن، بل في الصدر؟

جوع إلى الحنان… إلى المعنى… إلى من يقول لهما ببساطة: “أنا هنا، لا تخافا.”

 

 

في عالم طبيعي، كانت هذه الطفلة ستقف على أطراف أصابعها لترسم قلبًا بألوان شمع على الجدار.

في هذا العالم المقلوب… وقفت على أطراف وجعها، تبحث عن صورة لأمها في رماد البيت.

في عالم طبيعي، كان هذا الطفل سيحفظ جدول الضرب، ويخطئ في نطق “ثلاثة في خمسة”.

أما هنا… فقد حَفِظ تواريخ الموت، وأسماء القرى التي احترقت، وملامح الجنود الذين قتلوا صوته.

 

 

كانت تنظر إليه كما لو كانت تسأل:

“هل يمكن لصوتي أن يصل دون مترجم؟”

لم تقل شيئًا، لكن صمتها كان كصرخة مبحوحة خرجت من حنجرة الوطن كله.

لم تكن تطلب مأوى، بل تطلب معنى.

تسأل: “لماذا تُكتب حكاياتي بأقلام لا تشبهني، وتُروى مأساتي على منابر لا تراني؟”

 

 

*هل هذه بلاد أم مقبرة؟*

هل هذه حياة أم ساحة انتظار للموت؟

ما فائدة خريطة العالم إن كانت لا تحتوي على “أمان” لهذين الطفلين؟

وما معنى الإنسانية إذا كانت لا تترجم إلا حين يُقتل عشرة آلاف؟ أما الاثنان… فلا أحد يراهم!

 

 

*📩 بصوت الطفل…*

قال بهدوء يشبه اليقين:

ــ أنا ما عايز حاجة كثيرة… بس كان ممكن نموت معاكم بدل تخلونا لوحدنا!

 

 

*يا سادة العالم…*

لا تكتبوا عن السلام ما دمتم لا تعرفون وجوه هؤلاء الصغار.

ولا تدّعوا الرحمة، ما دام طفلٌ واحدٌ ينام الليلة بلا اسم… وبلا حضن… وبلا غدٍ.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام