مقالات الرأي
أخر الأخبار

لا تنازعوا… فتفشلوا ✍️ عوض الله نواي

*ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم*:

– آية قرآنية تختصر كل نظريات الصراع، وكل نتائج الشقاق، وتشرح بلغة موجزة مصير من يغرق في النزاع بدل أن يصطفّ على قلب رجل واحد.

 

– في هذه الآية، لا نفي لوجود الخلاف، فالخلاف سنة من سنن الحياة، لكن النهي موجَّه إلى النزاع، إلى الشد والجذب الذي يتجاوز الرأي إلى الصراع، ويتجاوز الفكرة إلى المعركة… إلى أن يفشل الجمع وتذهب ريحهم.

وهذا ما حدث… وهذا ما يحدث الآن.

 

*سودان النزاع المزمن*:

 

– منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم يتفق السودانيون على قضية واحدة بصورة كاملة.

كل مشروع، مهما كان وطنيًا، يتحول في لحظة إلى ميدان نزاع

 

النزاع حول الهوية: من نحن؟ عرب؟ أفارقة؟ مسلمون؟ علمانيون؟

النزاع حول السلطة: مدنية؟ عسكرية؟ مختلطة؟ توافقية؟ شرعية ثورية؟

النزاع حول التاريخ: من صنعه؟ من شوّهه؟ من خان؟

النزاع حول الدولة نفسها: أهي مركزية أم فدرالية؟ موحدة أم متشظية؟

 

– ولو طرحت اليوم مشروعًا لتعبيد طريق بين قريتين، ستجد من يعارضه لأنه ليس أولوية، ومن يؤيده لأنه تنمية، ومن يهاجمه لأنه منسوبٌ لفلان، لا لأن الطريق نفسه مرفوض.

 

*إنها لعنة النزاع… وسر فشلنا المتوارث.*

 

*حين تتنازع الأمم*:

 

– تجارب الشعوب التي تقهقرت من قمة المجد إلى أسفل التاريخ، كلّها تبدأ بنزاع داخلي.

من الأندلس إلى الدولة العثمانية، ومن حضارات أفريقيا الوسطى إلى العراق وسوريا واليمن… ما من دولة مزّقها الأجنبي، إلا بعد أن تنازعت أطرافها وتصارعت نخبها وتفرق دمها بين القبائل السياسية.

 

وبالمقابل… فإن الشعوب التي صمدت، لم تكن دائمًا تملك أقوى الجيوش، بل كانت تملك أوضح البوصلة، وأشد اللحمة.

 

*بطء الحسم… وفتنة المرتزقة*

 

*النزاع أيضًا يقتل الحسم.*

 

– بطء العمليات العسكرية وتأخير الحسم النهائي للتمرد في السودان ليس ناتجًا عن ضعف القوة، بل عن النزاع المستتر والظاهر بين مراكز القرار، بين العسكري والمدني، بين من يريد نصراً كاملاً ومن يخطط لنصف هزيمة تُبقيه في المشهد.

 

وفي هذا التباطؤ… يجد الأجنبي فرصته، ويفتح المرتزقة شهيتهم.

لم يأتِ المرتزقة الكولومبيون إلى السودان لأنهم يحبون صحراءه أو يتعاطفون مع أهله، بل لأنهم شمّوا رائحة النزاع، والمرتزق لا يدخل بلدًا موحّدًا.

فالارتزاق السياسي والعسكري هو أن تقاتل بلا مبدأ، من أجل طرف لا تؤمن به، في حرب لا تعرف فيها الحق من الباطل، فقط لأنك مدفوع الأجر… أو مدفوع بالغرض.

 

*دعوة إلى التوحد*

 

– إن أي دعوة لاختلاف الرأي يجب ألا تتحول إلى نزاع في الهدف.

 

– إذا كان الهدف هو بقاء السودان، فليختلف الناس في الوسائل ما شاءوا، لكن لا يجوز أن يتنازعوا حتى يضيع الهدف نفسه.

 

الجيش يجب أن يُحسم له أمر القيادة والسيادة.

الحكومة يجب أن تُدار بروح واحدة لا بثلاثين مندوبًا ونيّات متصارعة.

المعركة ضد التمرد يجب أن تُخاض بروح وطنية واحدة… بلا مناكفات، ولا مزايدات، ولا مساومات.

 

*كلمة أخيرة… من أفواه الفلاسفة*

 

– قال أفلاطون: لا يوجد شرّ أعظم من الفتنة الداخلية، فهي التي تفتح الأبواب للعدو الخارجي

– وقال ميكافيلي: الدولة التي لا تملك وحدة داخلية، لا تحتاج إلى عدو خارجي كي تسقط

– وقال الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب – لا نزاع، بل أدب اختلاف

 

*فلنكفّ عن النزاع، ونبدأ العمل… فالوطن لا يحتمل المزيد من الانقسام*

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام