مقالات الرأي
أخر الأخبار

صرخة من الفاشر: دعوة إلى صحوة ضمير عالمي – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

تتراقص ألسنة اللهب في سماء مدينة الفاشر العريقة، وتحت طبقات الدخان الكثيف، يختنق صراخ الأطفال، ويجفّ صوت المظلومين. ليست الفاشر مجرد مدينة سودانية أخرى تتأرجح بين أنياب الحرب، بل هي رمزٌ متجسّد لمأساة إنسانية مركّبة، وحصارٌ وحشيٌ يهدد بمسح تاريخها وحاضرها معًا. إن ما يحدث هناك ليس مجرد “أزمة محلية”، بل هو اختبارٌ قاسٍ لضمير العالم، ودعوةٌ عاجلةٌ لنا جميعًا للتحرّك قبل فوات الأوان.

منذ أشهر، والفاشر ترزح تحت حصار محكم يقطع عنها شريان الحياة. لقد تحوّلت المدينة التي كانت يومًا منارة للعلم والثقافة في دارفور إلى سجن كبير، حيث بات الجوع والمرض سلاحين فتاكين يُحصدان أرواح الأبرياء بصمت. تشير التقارير الواردة من هناك إلى انهيار تام للمنظومة الصحية، ونقص كارثي في الإمدادات الغذائية والطبية. تخيلوا معي، مجاعة حادة تهدد حياة عشرات الآلاف من المدنيين، بينهم أطفالٌ حُرموا من حقهم في اللعب والطعام، ونساءٌ حوامل يواجهن مصيرًا مجهولًا دون رعاية صحية، وكبار سن أنهكهم القصف وأعياهم الحصار.

إن هذا الوضع الكارثي ليس نتاجًا طبيعيًا للصراع، بل هو نتيجة مباشرة لانتهاكات ممنهجة وفادحة للقانون الدولي الإنساني. فالتقارير تتحدث عن عمليات قتل ونهب واعتداءات على الأحياء السكنية، وعن إعدامات ميدانية تهدف إلى نشر الرعب بين السكان. هذه الأفعال لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، وتُعد جرائم ضد الإنسانية تستوجب المحاسبة.

في ظل هذا الصمت الدولي المخيف، يرتفع صوت السودانيين في المهجر، من تجمع السودانيين الشرفاء بالخارج، حاملين معهم صرخة أهلهم في الفاشر. إنهم لا يطلبون ترفًا، بل يناشدون المجتمع الدولي للقيام بواجبه الإنساني والأخلاقي. المناشدة واضحة ومباشرة في فك الحصار فورًا، ويجب الضغط على جميع الأطراف للسماح بوصول المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية بشكل عاجل ودون عوائق، مع إرسال بعثات دولية، ويجب أن يتوجه مراقبون من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لتوثيق الانتهاكات وتقييم الوضع الإنساني على الأرض. هذا ليس وقت التقارير المكتبية، بل وقت الشهود الميدانيين، بجانب تأمين ممرات إنسانية. لا يمكن ترك المدنيين محاصرين في فخ الموت. يجب تأمين ممرات آمنة لمن يرغب في النزوح المؤقت أو تلقي العلاج خارج المدينة، وضرورة محاسبة الجناة، فيجب عدم الاكتفاء بالبيانات والشجب، بل يجب رفع ملف الفاشر إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحاسبة كل من تورط في هذه الجرائم.

إن ما يحدث في الفاشر هو وصمة عار على جبين العالم إن تُرك دون تدخل. إن أرواح الأبرياء هناك ليست مجرد أرقام تُمرر على نشرات الأخبار، بل هي أمانة في أعناقنا جميعًا. يجب أن تُسمع صرخة الفاشر، وأن لا يُترك أهلها يواجهون الجوع والموت وحدهم. إنها لحظة تاريخية، فإما أن ينتصر الضمير الإنساني، وإما أن يغرق في بحر من اللامبالاة والصمت.

وهل يعتقد أن المجتمع الدولي سيستجيب لهذه المناشدة العاجلة، أم أن صمت الفاشر سيظل يتردد صداه في قلوبنا دون فعل يذكر؟، وارد بأنه لا توجد إجابة واضحة على هذا السؤال، فالوضع يعتمد على عدة عوامل معقدة، منها المصلحة الدولية، وغالبًا ما يتدخل المجتمع الدولي عندما تكون هناك مصالح استراتيجية أو اقتصادية معينة في المنطقة، أو عندما يتفاقم الوضع إلى درجة قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي. في حالة الفاشر، قد يرى بعض الفاعلين الدوليين أن الأزمة لا تشكل تهديدًا مباشرًا لمصالحهم، مما قد يؤدي إلى استجابة بطيئة أو غير كافية.

يمكن أن يلعب الضغط الشعبي الإعلامي والاحتجاجات دورًا حاسمًا في حشد الدعم للقضايا الإنسانية. إذا تمكنت المنظمات الإنسانية والنشطاء من تسليط الضوء على حجم الكارثة في الفاشر بشكل فعال، فقد يضطر القادة السياسيون للاستجابة.

قد تكون هناك انقسامات دولية داخلية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن كيفية التعامل مع الأزمة في السودان، مما يعيق اتخاذ قرارات حاسمة، ثم قدرة المنظمات الإنسانية، فعلى الرغم من كل التحديات، تعمل منظمات الإغاثة الدولية على الأرض لتقديم المساعدة. السؤال هو ما إذا كانت هذه الجهود كافية للتصدي للأزمة المتفاقمة، وما إذا كانت ستحصل على الدعم الكافي لتوسيع نطاق عملها.

بناءً على هذه العوامل، يمكن أن يكون هناك سيناريوهان محتملان، سيناريو الاستجابة المتأخرة، وقد تأتي الاستجابة الدولية متأخرة جدًا، بعد وقوع المزيد من الخسائر البشرية وتدهور الأوضاع بشكل لا رجعة فيه، وسيناريو التجاهل، فيظل الوضع في الفاشر في الظل، مع استمرار صمت المجتمع الدولي، مما يترك المدنيين يواجهون مصيرهم بمفردهم.

لا يمكن التنبؤ بشكل قاطع بما سيحدث، لكن الأمل يكمن في استمرار الضغط من قبل كافة السودانيين في المهجر، ومنظمات حقوق الإنسان، وكل من يؤمن بقضية الفاشر. ففي بعض الأحيان، تكون صرخة واحدة كافية لإحداث فارق.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام