مقالات الرأي
أخر الأخبار

السلطة الرابعة: صوت الشعوب وضمير الأمم ✍️علي الفاتح الزبير الهاشمي

في لحظات التحولات الكبرى، تبزغ أصوات تكتب التاريخ لا بالحبر فقط، بل بالحقيقة، وبجرأة الكلمة التي لا تخشى السلطان إذا ضل، ولا تتوانى في بث النور حيث يسود الظلام. إنها الصحافة، التي لم تكن يومًا مجرد مهنة، بل سلطة رابعة تقف بشموخ إلى جوار السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.

 

ولأن التسمية ليست اعتباطية، فإن تاريخ “السلطة الرابعة” يعود إلى قرون مضت، وتحديدًا إلى القرن الثامن عشر، حين بزغ فكر التنوير في أوروبا، وبدأ الوعي الشعبي يطالب بمساءلة من يحكم. وقد أُطلقت هذه التسمية لأول مرة في بريطانيا، عندما وقف السياسي والمفكر الإيرلندي إدموند بيرك في مجلس العموم البريطاني مشيرًا إلى الصحافة قائلاً: “هناك ثلاث سلطات في البرلمان، ولكن في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة، وهي الأعظم تأثيرًا من الجميع.”.

 

ومنذ ذلك الوقت، لم تكن الصحافة مجرد ناقل للخبر، بل صانعة له، وموجهة للرأي العام، وقادرة على إشعال الثورات أو إخمادها، كشف الفساد أو فضحه، وتنوير الشعوب أو تغييبها، بحسب صدق الكلمة أو خيانتها.

 

في الولايات المتحدة، أسقطت الصحافة رئيسًا مثل ريتشارد نيكسون في فضيحة “ووترغيت”، بعد أن كشفت واشنطن بوست تورط أعلى هرم السلطة في التجسس على خصومه السياسيين. وفي فرنسا، لعب الإعلام دورًا محوريًا في تفكيك شبكات الفساد المالي والإداري. أما في عالمنا العربي، فقد كانت الصحافة في مراحل مختلفة – رغم القمع – منابر للوعي والمقاومة.

 

السودان: حين تتحدث الصحافة بلغة الوطن

 

وفي السودان، لم تكن الصحافة يومًا بعيدة عن الهم الوطني. فمنذ الصحف الأولى مثل حضارة السودان والنيل، وحتى صحف العقود الأخيرة، كان للصحافة دور محوري في الحراك السياسي والاجتماعي. فقد وقفت الصحافة في وجه الاستعمار، وناهضت الأنظمة الشمولية، وكانت لسان حال الثورات، ومرآة الشعب حين يسكت الجميع.

 

وقدمت الصحافة السودانية شهداء من الكُتاب والمراسلين، ودفعت ثمنًا باهظًا في سبيل الدفاع عن حرية الكلمة. واليوم، في زمن ما بعد الحرب، ينهض الوطن من تحت الركام، ولا يمكن لأي مشروع لإعادة الإعمار أن ينجح إن تم تكميم الأفواه، أو تجفيف منابع الفكر الحر.

 

إن الصحافة الوطنية الحقة لا تسعى إلى معاداة السلطة، بل إلى نقدها حين تضل، وتصويب مسارها حين تنحرف. فالنقد الموضوعي الهادف هو من صميم الوطنية، ومن لوازم الحكمة. ولا تنهض الدول إلا حين تستمع إلى أصوات المفكرين والأدباء والكتاب والإعلاميين، وتفسح لهم مجالًا في قلب المشهد، لا أن يتم تأطيرهم كخُدّام لمن يحكم أو أدوات ترويج لقرارات تُطبخ في غرف مغلقة.

 

صوت العقل.. لا صوت القوة

 

إن الوطن لا يُبنى بالقمع، بل بالحوار. ولا يُعاد إعمار السودان بالكتم والتخوين، بل بتلاقح الأفكار الحرة، وتوفير منصات مفتوحة للتعبير، وإشاعة ثقافة احترام النقد لا محاربته. وعلى السلطات في السودان أن تُرخي أذنها لأبناء الوطن الذين يحملون القلم لا السلاح، والفكرة لا الشتيمة، والمشروع لا المؤامرة.

 

إن العودة إلى الحكمة تبدأ من الإيمان بأن الصحافة سلطة رقابية، لا عدوّ يُخشى، بل شريك في البناء والإصلاح. وإذا أردنا أن يستقيم العود الأعوج، فلا بد أن نفتح الباب أمام الكلمة الحرة، لا أن نكسر أقلامها. لأن المجتمعات التي تكمم أفواه كتّابها، تفتح أبوابها للخراب دون أن تدري.

 

ختامًا، إن الصحافة الحرة ليست رفاهًا، بل ضرورة. والسلطة التي تخاف النقد، هي سلطة لا تثق في نفسها. فلنُعطِ الكلمة حقها، ولنجعل من السلطة الرابعة ركنًا متينًا في مشروع النهوض بوطننا المجروح.. فالكلمة قد تنقذ أمة.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام