مقالات الرأي
أخر الأخبار

في انتظار المسؤول الذي لا يسرق ✍️ د. هبه بت عريض

*مواطن يمتلك بطاقة تعريف وطنية وكمية هائلة من الأسى المُبَسْتر*

ذات صباحٍ رماديٍ ممطر كما تمطر وعود المسؤولين، سألتني صديقتي التي تُقيم في بلاد المهجر، والتي تأمل في العوده للوطن قريبا، وتعاني من ارتفاع الضغط الوطني سؤالًا وجوديًا:

ـ ألا يوجد مسؤول واحد نزيه في هذا البلد؟

أجبتها بعفوية:

-أكيد، لكننا لم نلتقِ به بعد، ربما لأنه لا يخرج من البيت حتى لا يُتهم بشيء!

فردت عليّ بحكمة إمرأة ذاقت كل أنواع الألم من غربة حنين وأسي :

ـ ربما يوجد لكنه لا يظهر على التلفزيون ولا يرتدي بدلة ولا يمتلك ( ربطة عنق)، ولا يمتلك حاشية من المطبلين والمنتفعين.. إنه كائن خرافي منقرض!

ضحكنا معا ثم اغلقنا هواتفنا، وفي القلب غصه من الحزن و القهر.

نحن نعيش في وطن حيث المسؤوليه تشبه طبق (سَلطة) بسبع خضروات، لكن من نوع خاص: (الطماطم) وُزعت على المقاولين الكبار، (الخيار) تحوّل إلى مشاريع في الريع، (الجزر )ذاب في الصفقات وكل انواع (المُقبلات) تُطهى على نار هادئة في مكاتب التعيين لتفتح الشهية (لفساد مقنع)، أما المواطن فيحصل فقط على البخار الذي يزكم أنفه بلهيب الغلاء والمرض والعوزه ليستنشقه (بحب) ، لانه لا مجال للخيارات فالألم واجب وطني يجب أن يأديه المواطن.

عزيزي المواطن : انك لا تحتاج الي ادلة في زمن الشفافية المفقودة لكتابة تقرير عن الفساد ، يكفي أن تستمع بزيادة اسعار الدواء والغاز والسلع،لسماسرة العقارات والترحيلات، لخطب المساجد عن الدين والأخلاق و السياسية ومحاربة الفساد، ثم تخرج ، وتُجري مقارنة بسيطة بين ما اتقال وما تشاهده وتعيشه واقع لتري أين وصلنا.. بعضهم اشترى ضميرًا مستعملًا بثمن بخس، ثم باعه بالتقسيط علي المواطن، وبعضهم أصبح يُنظّر للفساد بالفقه المالكي والتشريع الإسلامي..

أصبح المسؤول في هذا الوطن الجميل بشكل مؤلم مثل “الجن”، نسمع عنه كثيرا ونرى آثاره فقط على الميزانية، فهو لا يُرى إلا في المهرجانات الخطابية ومواسم المؤتمرات الهلاميه،ودهاليز الفساد غير المرئيه.

أصبح الفساد ظاهره مثل (الماء) موجود في كل الأماكن العمومية، مجاني وبدون كلمة سر، ماركة مسجلة يُوزَّع في الاجتماعات كما توزَّع الحلويات في الأعراس.

ليست المصيبة في أن الفساد موجود بل في أنه صار مزخرفًا، مُمَأسسًا، يُمارس بلغة فصيحة، وتُصدر بشأنه بلاغات موقعة ومختومة من هيئات الرقابة نفسها، تلك التي لا ترى شيئًا، لا تسمع شيئًا، ولا تقول شيئًا… كأنها دخلت في صيام مؤبد.

فقد الناس ثقتهم في المسؤولين، وصاروا يكتفون بالمشاهدة من بعيد، كما يُشاهد المرء فيلما تافها على إحدى القنوات الرديئة، لا يُضحك ولا يُبكي، لكنه يُعرض كل يوم، وبنفس الأبطال، بنفس السيناريو، مع تغيير بسيط في النبرة:

ـ “نحن هنا لخدمة المواطنين!”

في الحقيقة، هم هنا لخدمة بعضهم البعض، أما المواطن فمكانه محفوظ في طابور الانتظار، أو على الأرصفة، أو في نشرات الأخبار حين يتحدثون عن “السلم الاجتماعي”.

ومع ذلك، لا أحد ييأس من وطنه، فكل شيء ممكن في هذا البلد، حتى أن أحدهم قال:

ـ “يمكن ان نصنع ربورت !”

فصفق الجميع ونسوا أن الربورت يبرمجه ( الفاسدون) وأن الطريق محفوفة بالحفر والبيروقراطية، وأن الرادار سيوقفك فقط لأنك تحلم أن تسير.

نعم، ما زلنا ننتظر المسؤول الذي لا يسرق، وإن لم يأتِ، فربما نكتفي بواحد يسرق بـ”قليل من الذوق”، لا يجعلنا نُحس بأننا مجرد أرقام في دفاتر نهب مفتوحة، رغم ان المسؤول و الناهب لا يدرك بأنه فاسد، بل يشعر بأنه هو فقط “ذكي” أو “يدبر الأمور”، أو كما قال أحدهم:

ـ نحن لا نسرق، نحن نُحسّن وضعيتنا!

وفيما هو يُحسّن وضعيته، يحسّن المواطن مهاراته في المقارنة بين أسعار الدواء و الزيت، و(الدقيق)، هذا المواطن الذي كان يحلم ذات زمن بتغييرٍ ما، تحول إلى كائن فلسفي، يسأل أسئلة وجودية من نوع:

-هل سأشتري السكر أم أدفع فاتورة الكهرباء شبه المعدومه؟

-هل أشتري سروالًا لطفلي أم أشتري الدواء لزوجتي؟

-هل هذا المسؤول حقيقي أم صورة معدّلة بالفوتوشوب؟

الناس في وطني لم يعودوا يكرهون المسؤولون فقط، بل أصيبوا بحساسية منهم، يكفي أن تقول(مسؤول) ، حتى يبدأ أحدهم بالحكّة في جيبه الفارغ أو يُصاب بنوبة قهقهة سوداء. قد يقول قائل:

ـ لكن هناك شرفاء!

نعم، هناك شرفاء فعلاً، لكن يتم استهلاكهم إعلاميًا مثل البهارات، فقط لتزكية “الطبخة” الكبيرة.

_يتخذ الفساد في وطني أشكالاً هندسية مذهلة:

-دائري عندما يدور المال بين نفس الأسماء.

-هرمي عندما تصعد الامتيازات إلى الأعلى.

-شبكي حين تكون العلاقات أقوى من القانون.

أما المواطن، فهو نقطة صغيرة في الهامش، مهمته الوحيدة: التصفيق ثم السكوت، ولا تنتهي العبارات الرنّانة: “خدمة الوطن”، “الإصلاح”، “النهوض بالوضع الاجتماعي” والمصيبة الأعظم “محاربة الفساد”، كأنه غزو خارجي من كائنات فضائية وليس الفاسدون والمفسدون من بني جلدتنا!،

ومع ذلك ما زلنا ننتظر المسؤول الذي لا يسرق، أو على الأقل، المسؤول الذي يسرق دون أن يستهزئ بذكائنا.. وإلى حين ظهور هذا الكائن الأسطوري، سنواصل حياتنا العادية: نضحك، نكتئب ونتمنى أن يصبح الفساد عُملة قابلة للتصدير، فقد نحقق بها فائضًا في الميزان التجاري!….

*هبه بت عريض*

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام