مقالات الرأي
أخر الأخبار

صنع في القضارف: معرض يفتح آفاق التصنيع المحلي ويتحدى معوقات الصناعة بولاية القضارف ✍️ ابوسفيان الكردفاني 

مقدمة: حدث تاريخي في قلب القضارف

ينطلق معرض “صُنع في القضارف” في نسخته الأولى (18-20 أغسطس 2025) بصالة ود البراء ، تحت رعاية الفريق ركن محمد أحمد حسن والي الولاية المكلّف، ليكون علامة فارقة في مسيرة التنمية الصناعية بالسودان، وإشراف مفوضية الاستثمار والصناعة المركز الوطني للإنتاج الإعلامي والمطبوعات، ويجمع أكثر من 32 مصنعاً محلياً ناشطاً في قطاعات متنوعة، في خطوة تهدف لتحويل الولاية من اقتصاد زراعي تقليدي إلى قطب صناعي متكامل، رغم التحديات التي تعترض هذا التحول .

 

الفرص الصناعية: إمكانات هائلة تنتظر التحقيق

ثروات زراعية غير مستغلة:

تمتلك القضارف 75,263 كم² من الأراضي الطينية الخصبة (VERTISOLS) التي تنتج أكبر كميات من الذرة البيضاء والسمسم في السودان، لكن 70% من هذه المحاصيل تُصدّر خاماً دون تحويل صناعي. المعرض يسلط الضوء على مصانع مثل “بايوسلكس للمحاصيل الزراعية” و”شركة الوابل لتعبئة المواد الغذائية” كنماذج رائدة في إضافة القيمة للمواد الخام .

تحوٌّل صناعي بعد الحرب:

كشفت حكومة الولاية عن نشوء أكثر من 32 مصنعاً جديداً بعد الحرب، منها مصانع بلاستيك (“الصندل” و”بانبو”)، ومصانع هندسية وكيميائية، ما يُمثل تحولاً استراتيجياً لتفادي تمركز الصناعة في الخرطوم .

 

تنوع إثني رافد للإبداع:

يسهم تنوع سكان القضارف (السودانيون، الإثيوبيون، الأريتريون، اليمنيون) في إثراء الصناعات التراثية مثل النسيج والتطريز، وهو ما يخطط المعرض لتسليط الضوء عليه عبر “الزوايا الثقافية” .

التحديات: معوقات تعرقل الإقلاع الصناعي

أزمة البنية التحتية: الكهرباء والمياه:

شح الكهرباء: تعمل المصانع المشاركة بأقصى طاقتها رغم انقطاع التيار المتكرر، كما أشارت جولة الوالي التفقدية .

أزمة المياه المزمنة: رغم أمطارها الغزيرة (900 مم سنوياً)، تعاني الولاية من نقص حاد في المياه الصالحة للصناعة. 25% فقط من السكان يحصلون على مياه معالجة، بينما يعتمد 20% على الآبار السطحية الملوثة، بمتوسط استهلاك يومي 9 لترات للفرد (أقل من نصف معيار الصحة العالمية) .

 

الإجراءات البيروقراطية والرسوم:

يشكو المستثمرون من:

كثرة الرسوم الولائية غير المتناسبة مع الخدمات.

تعقيد التراخيص الذي يطرد المستثمرين

نقص التمويل وغياب التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في إدارة المياه والطاقة، مثل أنظمة إعادة التدوير المغلقة التي توفر 95% من المياه المستهلكة في الصباغة عالمياً .

ضعف الدعم المالي تُعاني الصناعات الصغيرة من صعوبة الوصول للقروض المناسبة.

كيف يتصدى المعرض لهذه التحديات؟

آليات تذليل العقبات

منصة استثمارية مباشرة : توفير “نوافذ تراخيص سريعة” داخل أروقة المعرض بتنسيق مع مفوضية الاستثمار، لاختصار إجراءات التأسيس.

حلول الطاقة البديلة: عرض نماذج لمصانع تعمل بالطاقة الشمسية (مثل “مصنع زيوت القضارف”)، مع شراكات مع جامعات محلية لتوطين هذه التقنيات .

إدارة المياه الذكية: تقديم ورش عمل بالتعاون مع جامعة القضارف حول تقنيات اقتصادية مثل نظام “الحفائر” (بحيرات صناعية لتجميع مياه الأمطار) .

الرؤية المستقبلية: من معرض مؤقت إلى تحول دائم

مدينة صناعية متكاملة: بالإستفادة من موقع القضارف الاستراتيجي (على الحدود الإثيوبية)، ووجود سوق دولية للمحاصيل .

مشروع ربط المصانع بالأسواق العالمية من خلال التقنيات الرقمية الحديثة .

خاتمة: الصناعة محور للسلام والتنمية

رغم أن التحديات التي تواجه الصناعة في القضارف – من بنية تحتية هشة إلى إجراءات معقدة – ليست هينة، إلا أن المعرض يمثل بداية لنهج عملي ،نجاحه لن يُقاس بعدد الزائرين أو العقود الموقعة فقط، بل بقدرته على تحويل الأفكار المطروحة (كالتصنيع الزراعي وتقنيات ترشيد الموارد) إلى سياسات دائمة، القضارف بتربتها الخصبة وتنوعها البشري، قادرة على أن تصنع من التحديات فرصاً، وأن تقدم نموذجاً لولاية سودانية تعيد بناء اقتصادها من رحم الحرب.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام