مقالات الرأي
أخر الأخبار

البرهان والرؤية الثاقبة: من ساحات معركة الكرامة إلى تأسيس الدولة السودانية الحديثة ✍️ د. ابوالطيب ادم حسن سليمان

البرهان والرؤية الثاقبة: من ساحات معركة الكرامة إلى تأسيس الدولة السودانية الحديثة

يمر السودان بمرحلة دقيقة من تاريخه، حيث تتشابك وتتزاحم معركة الكرامة من أجل البقاء مع معركة حلم بناء الدولة السودانية الحديثة. وفي قلب هذه اللحظة يقف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، حاملاً إرثه العسكري العميق ورؤيته السياسية الواعية، جامعاً بين التفوق في ساحة المعركة والإصرار على فتح الطريق نحو الدولة الدستورية الديمقراطية.

= الخبرة العسكرية والقدرة على الصمود

لقد أضافت الخبرة العسكرية للبرهان ما هو أبعد من الانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. فهي التي منحته الصبر الاستراتيجي، وحسن قراءة الميدان، والقدرة على إدارة الأزمات بأقل الخسائر. فالقائد العسكري الذي تمرّس في جبهات النزاع أدرك أن الانتصار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالتحالفات المدروسة، والحكمة في التعامل مع الداخل والخارج. ومن هنا جاءت قوته في الحفاظ على وحدة الجيش ومنع انهياره، باعتباره صمام أمان الدولة السودانية.

، وهو قائد عسكري نجح في معارك الكرامة الحاسمة حتى نهاية التمرد على الدولة السودانية ، يدرك أن النصر الحقيقي لا يُقاس في الميدان فقط، بل في تأسيس دولة القانون والمؤسسات. ولذلك ظل يؤكد أن دور الجيش هو حماية الوطن وضمان انتقاله، لا أن يكون بديلاً عن الدولة المدنية. لقد فتح الباب أمام الحوار الدستوري، وأعطى إشارات واضحة أن مشاركة القوى المدنية والشباب والنساء ليست خياراً ثانوياً، بل جوهر مشروع الدولة السودانية الحديثة.

= الأبعاد الاجتماعية والسياسية

إن مشروع البرهان لم يقف عند حدود الأمن، بل امتد إلى المصالحات القبلية والاجتماعية، سعياً لرأب الصدع في مجتمع أنهكته الحروب والانقسامات. كما عمل على طرح مسار إصلاح مؤسسي للخدمة المدنية والاقتصاد الوطني، ليوازي إصلاح المؤسسة العسكرية، إدراكاً منه أن التنمية المتوازنة هي السند الحقيقي للاستقرار السياسي.

= البُعد الإقليمي والدولي

في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد، استفاد البرهان من خبراته العسكرية ليبني شبكة علاقات متوازنة تحفظ سيادة القرار السوداني وتؤمّن له الدعم اللازم. فهو يرى أن السودان لا يمكن أن يُبنى في عزلة، لكن في الوقت ذاته لا يمكن أن يُدار بقرار خارجي. لذلك حافظ على نهج “الانفتاح بلا تبعية”، جامعاً بين الاستقلالية الوطنية والشراكات الإيجابية.، ولذلك نجده يقول في أكثر من مناسبة: “النصر العسكري فى معركه الكرامة يحمي الوطن ويعيد له هيبته وجلاله ويحافظ على وحدته وتماسكه ، ولكن يظل التحدى الأكبر هو كيفية إعادة بناء الدولة بعد الدمار والخراب الممنهج وتنفيذ برنامج العودة الطوعية لقطاعات واسعة من الشعب_ الذين تعرضوا للتشريد والقتل والنهب والسلب والاغتصاب _ من دول الجوار للمساهمة في بناء الدولة السودانية التي يحلم بها الشعب السوداني.”

وهذا ما يوضح مفتاح شخصية البرهان ودوره المزدوج: قائد عسكري في ساحة الحرب، وفي الوقت نفسه رأس دولة حيث استطاع التفوق في ثلاث مستويات:

1. في معركة الكرامة العسكرية:

الخبرة الميدانية: خدم البرهان طويلًا في ميادين قتال داخلية وخارجية (دارفور – الحدود – المشاركة في قوات حفظ السلام)، ما منحه قدرة على قراءة الميدان بدقة.

القيادة المرنة: اعتمد أسلوبًا تكتيكيًا يقوم على توظيف الموارد المتاحة بأقصى كفاءة، مع الحفاظ على الروح المعنوية للقوات.

إدارة التحالفات: فهم أن الانتصار في المعركة لا يتحقق فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بتحالفات سياسية وإقليمية تحفظ ظهر الدولة.

الصمود تحت الضغط: أظهر قدرة على الثبات في اللحظات الحرجة، مما عزز ثقة الجيش فيه كقائد.

2. في بناء الدولة السودانية الحديثه :

تفوقه في ميدان الكرامة جعله أكثر وعيًا بأن مع المجد للبندقية ، لابد من خارطة طريق متدرجة

تفتح المجال للقوى المدنية:

حيث تم التوافق على اختيار الدكتور كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء الانتقالي من أجل أتاحة مساحات للمدنيين للمشاركة في العملية السياسية، إدراكًا أن الدولة المدنية لا تُبنى إلا عبر شراكة واسعة.

التركيز على الدستور والحوار: جعل الحوار الدستوري محورًا لبناء الدولة، باعتباره الطريق لضمان وحدة البلاد واستقرارها.

= التوازن بين الأمن والسياسة: لم يسمح بانفلات أمني يهدد الدولة، وفي الوقت نفسه أكد على أن الجيش ليس بديلاً عن المؤسسات المدنية المنتخبة.

3. معادلة الجمع بين الدورين:

البرهان نجح في التفوق في معركة الكرامة العسكرية عبر الانضباط والخبرة الميدانية، وفي الوقت ذاته وضع نصب عينيه أن النصر العسكري بلا مشروع مدني سيقود إلى دورة جديدة من الصراع. لذلك، سعى إلى تقديم رؤية إستراتيجية عميقة تعيد تعريف هوية السودان على أسس:

1. الوحدة الوطنية: تجاوز الانقسامات العرقية والقبلية والجهوية لصالح مشروع وطني جامع.

2. الحوار الدستوري: وضع دستور دائم يعبر عن الشعب السوداني بكافة مكوناته، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات.

3. التنمية والاقتصاد: إعادة بناء الاقتصاد الوطني بما يفتح الباب أمام الاستثمار، ويوفر فرص العمل، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة.

4. السيادة والاستقلالية: الحفاظ على استقلال القرار السوداني في محيط إقليمي ودولي متشابك، مع الانفتاح على الشراكات الإيجابية.

ومن هنا، يمكن القول إن البرهان يسعى لأن يكون جسر العبور نحو الدولة السودانية الحديثة، دولة تتجاوز عقود الصراعات والانقلابات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يحقق الاستقرار ويعيد للسودان مكانته الطبيعية في محيطه العربي والأفريقي والدولي

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام