يومٌ سوداني للذكرى.. وإعادة بناء ما هدمه العنف باسم الدين – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

في كل عام، يحلّ يوم الثاني والعشرين من أغسطس، ليذكّرنا جميعًا باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين أو المعتقد. إنه ليس مجرد تاريخ في أجندة الأمم المتحدة، بل هو صرخة في وجه التعصب، ونداءٌ للضمير الإنساني لإدانة كل شكل من أشكال الاضطهاد الذي يستهدف الإنسان بسبب معتقداته. هذا اليوم يكتسب أهمية خاصة في عالمنا اليوم، وفي السودان تحديدًا، حيث لا تزال ندوب الحروب والصراعات التي تغذّيها الانقسامات تلمس كلّ بيت.
إن الحديث عن العنف القائم على أساس الدين في السياق السوداني يتجاوز مجرد سرد الوقائع. لقد شهدت البلاد فترات عصيبة، تحولت فيها الخلافات الفقهية والمذهبية إلى مادة قابلة للاشتعال، أدت إلى صراعات مسلحة واقتتال داخلي. كانت هذه الخلافات، التي تلبس ثوب الدين، قادرة على تفتيت النسيج الاجتماعي، وزرع الكراهية بين مكونات المجتمع الواحد. وقد دفع الشعب السوداني ثمنًا باهظًا لهذا العنف، من أرواح زهقت، وبلدان دمرت، وأحلام تبددت.
اليوم، بينما يمرّ السودان بمرحلة حرجة من تاريخه، يتلمس فيها طريقه نحو التعافي من حربٍ طاحنةٍ جديدة، يتجدد السؤال حول كيفية تجاوز هذه الجروح العميقة. الدعوات للعودة الطوعية للوطن، وبدايات إعادة الإعمار، ليست مجرد جهود لوجستية، بل هي عملية بناء نفسي واجتماعي معقدة تتطلب فهمًا عميقًا لماضينا.
لا يمكن تحقيق سلام دائم وشامل دون معالجة جذور الصراعات، ومنها الصراعات ذات الخلفية الدينية. يجب أن تكون عملية إعادة البناء مصحوبة بحوار وطني شامل، لا يستثني أحدًا، ويكون هدفه تجاوز هذه الانقسامات. هذا الحوار يجب أن يكون قائمًا على الاعتراف بالآخر، واحترام التنوع، وإدراك أن الاختلاف في المعتقد ليس سببًا للعنف، بل هو ثراءٌ يضيف إلى هويتنا الجماعية.
في هذا السياق، يصبح دور المؤسسات الدينية، وخاصة هيئة علماء السودان، أكثر أهمية من أي وقت مضى. لا يمكن لهذه الهيئة أن تظل مجرد مرجع فقهي تقليدي. بل يجب عليها أن تضطلع بدور فاعل ومؤثر في توجيه المجتمع نحو التسامح والقبول.
يجب على هيئة علماء السودان أن تتجاوز خطابها المعتاد، وأن تطلق مبادرات عملية تهدف إلى تفكيك خطاب الكراهية والعمل بشكل ممنهج على تفكيك المفاهيم التي تبرر العنف باسم الدين. وهذا يتطلب إعادة قراءة للنصوص الدينية في سياقها الصحيح، وتقديم فهم عصري يتناغم مع قيم التسامح والرحمة.
الحوار مع الآخر بإقامة جسور حوار مع مختلف المكونات الدينية في السودان، وليس فقط داخل الطيف الإسلامي. هذا يشمل حوارات مفتوحة مع الكنيسة السودانية، بهدف تعزيز التفاهم المشترك والعمل معًا على قضايا وطنية، بجانب تعزيز قيم تعليم التسامح وبخاصة التسامح الديني ودمج قيمها في المناهج التعليمية الدينية، وتدريب الأئمة والخطباء على نشر هذه القيم في خطبهم ودروسهم، والوساطة في النزاعات باستخدام مكانتها الروحية للوساطة في النزاعات المحلية التي قد تأخذ طابعًا دينيًا، والعمل على حلها سلميًا قبل أن تتفاقم.
لا يمكن الحديث عن التسامح الديني في السودان دون الإشادة بالأدوار العظيمة التي قامت بها الكنيسة السودانية ومسيحيو السودان. لقد كان لهم دورٌ محوري في الحفاظ على النسيج الاجتماعي، سواء في أوقات السلم أو في فترات الحرب.
في السلم، كانت الكنائس والمؤسسات المسيحية فاعلة في مجالات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية، وقدمت نموذجًا للتعايش السلمي والاحترام المتبادل. لقد كان مسيحيون سودانيون جزءًا لا يتجزأ من هويتنا الوطنية، وساهموا بشكل كبير في بناء الوطن.
وفي زمن الحرب، برزت أدوارهم بشكل أكثر إضاءة. لقد تهدمت وتضررت بعض الكنائس، وفتحت بعضها أبوابها للجميع، دون تمييز، واستقبلت النازحين من كل الطوائف. كان الكهنة والرهبان يعملون جنبًا إلى جنب مع أبناء الشعب السوداني، يقدمون المساعدة والإغاثة، يضمدون الجراح. إن هذه المواقف النبيلة ليست مجرد أعمال إنسانية، بل هي دليل قاطع على أن الدين يمكن أن يكون مصدرًا للرحمة والتراحم، لا للعنف والكراهية.
إن مسيحيي السودان يمثلون جسرًا حقيقيًا للتواصل والتعاون. إنهم شهود على أن الوحدة الوطنية لا تتحقق بالتجانس، بل بالاحترام المتبادل للتنوع. إن إسهاماتهم في صمود الشعب السوداني أمام أهوال الحرب، ودورهم في تقديم المساعدة للمحتاجين، يجب أن يكون مصدر فخر لنا جميعًا، وأن يُنظر إليه كنموذج يُحتذى به.
إن إحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على أساس الدين أو المعتقد ليس مجرد مناسبة لإلقاء الخطب. إنه دعوة للعمل. دعوة لإعادة تقييم ماضينا، واستخلاص الدروس منها، والعمل على بناء مستقبل لا مكان فيه للتعصب.
في السودان، يتطلب هذا العمل حوارًا وطنيًا شاملًا يهدف إلى التسامح والتصالح، ويُشرك جميع الأطياف الدينية، بجانب أدوارًا أكثر فعالية للمؤسسات الدينية، وخاصة هيئة علماء السودان، في نشر خطاب التسامح ومحاربة خطاب الكراهية، والاعتراف والاحتفاء بإسهامات كل مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك الكنيسة السودانية ومسيحيو السودان، في بناء الوطن والدفاع عنه.
إن طريق التعافي وإعادة الإعمار في السودان سيكون طويلًا وصعبًا. لكن لا يمكن أن يكتمل هذا الطريق إذا لم نعالج الجروح النفسية والاجتماعية التي سببها العنف. يجب أن نبنى مستقبلنا على أساس من الاحترام المتبادل، والقبول بالتنوع، وإيمانٍ راسخٍ بأن الإنسانية هي ديننا المشترك، وأن الرحمة هي شريعتنا الأسمى. فلنجعل من ذكرى ضحايا العنف الديني حافزًا لنا لبناء سودان أكثر تسامحًا وعدلًا، حيث يستطيع الجميع العيش بسلام، بغض النظر عن معتقداتهم.





