
تلعب الثقافة المجتمعية دورًا محوريًا في بناء هوية الأفراد والكياناتو والجماعات، إذ تُعدّ منظومة من القيم والمعتقدات والعادات التي تشكّل سلوك الإنسان وتفاعله مع محيطه. وفي المقابل، يُعتبر الإعلام أحد أبرز الأدوات التي تسهم في تشكيل هذه الثقافة، إما عبر تعزيزها والمحافظة عليها، أو التأثير عليها وتغييرها وفقًا لمضامينه وتوجهاته. وتبرز العلاقة بين الإعلام والثقافة المجتمعية كعلاقة ديناميكية تتأثر بالتحولات السياسية، والاجتماعية، والتكنولوجية، مما يجعل من الضروري فهم هذه العلاقة بعمق ووعي مهني بامتياز
في البداية، لا يمكن إنكار أن الإعلام، بمختلف وسائطه التقليدية والرقمية، بات المصدر الرئيسي للمعلومة لدى الأفراد. ومن خلال الأخبار، والبرامج الحوارية، والمسلسلات والتمثليات والإعلانات، ومواقع التواصل الاجتماعي، يُعيد الإعلام تشكيل وعي الجمهور الجمعي، ويؤثر في طريقة فهمهم للواقع، وفي تبنّيهم لمواقف محددة تجاه قضايا مجتمعية حساسة، كالدين، والهوية، والمرأة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية. هذه التأثيرات لا تكون دومًا محايدة؛ بل كثيرًا ما ترتبط بأجندات سياسية واقتصادية، أو بإملاءات السوق الإعلامي المرتبط بنسب المشاهدة والمتابعة.
وعلى الجانب الآخر، تتأثر الثقافة المجتمعية بالإعلام من خلال ما يُعرف بـ”التمثيلات والتسويق و الرمزية”، وهي الطريقة التي يتم بها تصوير قضايا أو فئات اجتماعية معينة في الوسائل الإعلامية. فمثلًا، حين يتم تصوير فئة معينة بصورة نمطية، فإن ذلك يسهم في ترسيخ صور ذهنية سلبية أو إيجابية لدى الجمهور، مما يؤثر في العلاقات الاجتماعية والتقبل المجتمعي للآخر. كما تلعب الدراما التلفزيونية دورًا مهمًا في إعادة إنتاج أو مساءلة أنماط ثقافية سائدة، عبر تسليط الضوء على قضايا مسكوت عنها، أو تقديم نماذج جديدة من الأدوار الاجتماعية.
وفي العصر الرقمي، ومع تطور وسائل الإعلام الجديد، ازداد التأثير الإعلامي عمقًا وسرعة. فالفرد لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح أيضًا منتجًا ومشاركًا في صناعة المحتوى، من خلال منصات مثل فيسبوك، ويوتيوب، وإنستغرام، وتيك توك. هذا التحول منح المجتمعات صوتًا أقوى، لكنه في الوقت ذاته جعل الثقافة المجتمعية أكثر عرضة للتشظي، ويمكن ان تستفيد المجتمعات في تطوير الهوية و إذ باتت المجتمعات تواجه ما يُعرف بـ”الفقاعات المعلوماتية” التي تعزز الانغلاق على أفكار معينة، وتُضعف من التفاهم الثقافي المشترك.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتحمّل الإعلام مسؤولية أخلاقية وثقافية كبيرة في بناء مجتمع متوازن ومستنير. فالإعلام الواعي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يقدّم تحليلًا نقديًا وسياقًا ثقافيًا يعزّز من وعي الجمهور ويقوي مناعة المجتمع تجاه الإشاعة والتضليل. كما أن تعزيز الإعلام لثقافة الحوار، والاختلاف، والتعددية، يساهم في تحصين المجتمع ضد التطرف والتعصب، ويعزز من روح المواطنة والاندماج الاجتماعي.
من جهة أخرى، تحتاج الثقافة المجتمعية إلى إعادة قراءة دورها في ظل التحولات الإعلامية المعاصرة. فعلى المؤسسات التربوية، والدينية،والاندية الثقافية أن تتعاون مع وسائل الإعلام في ترسيخ القيم المشتركة، مع احترام الخصوصيات الثقافية، والسعي إلى خلق توازن بين الأصالة والمعاصرة.
خلاصة القول
، إن العلاقة بين الإعلام والثقافة المجتمعية ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة تفاعلية معقدة، تتطلب وعيًا مجتمعيًا، ومهنية إعلامية، وسياسات ثقافية رشيدة. فبقدر ما يمكن للإعلام أن يكون أداة بناء، يمكن له أن يكون أداة هدم، ولذلك فإن الاستثمار في إعلام مهني، حر، ومسؤول، هو استثمار مباشر في مستقبل الثقافة المجتمعية





