زهرة العوير .. كثيرا لاننتبه للجمال بين يدينا لاعتيادنا عليه، والانتباه للجمال عطية ربانية لا تدرّس في المدارس ولا يمكن تلقينها في المحاضرات، بل تنبت في أرواحنا كزهرة تحتاج إلى عين تلاحظها، ووجدان يحس بها ✍️ عادل عسوم

وصل عماد إلى السودان خلال إجازته السنوية، وشرعت شقيقاته يبحثن له عن زوجة.
بدأن ب بت العمدة وهي زميلة دراسة لاحداهن:
ياخي دي شايفة نفسها على الفاضي، وعلي العليها راسا فاضي.
قالها في نفسه ولم يبدها لهن، ومن صمته فهمن بأنها لم تَرُقْهُ.
-طيب رأيك شنو ياعماد في بت جارنا دكتور يوسف عميد الكلية؟
-مامتذكرها كويس… فأتين بها إلى البيت، ووقف في مدخل الصالة حيث يجلسن وفي ثنايا سيناريو -دُبِّرَ بليل- قال:
-شكلكم معاكم ضيوف.
-دي جارتنا لينا بت دكتور يوسف ياعماد.
-ياسلام ياخي، دكتور يوسف دا اتعلمنا منو الكتير، ان شاء الله بخير الدكتور بخير يا لينا.
-الحمد لله بخير، والحمد لله علي سلامة وصولك ياعماد.
-الله يسلمك.
وتواصل الحديث معها بعد ان تفرقن في المنزل، كل منهن بعذر وهمي، وإذا به لم يجد فيها مراده.
عماد نشأ بعيدا عن عوالم النساء، هو الابن البكر والأوحد للأسرة، تصغره شقيقات ثلاث، ظل منذ يفعه يساعد والده في الاشراف على ساقيتهم الكبيرة ومافيها من اشجار الفواكه وأبقار، وكذلك يشرف على دكان كبير في سوق كسلا المجاور لسكناهم.
ورث عن والده تقاطيعه وحياءه وتدينه وأناته.
قالت أخته الصغرى:
-عماد انت هويدا بت خالي عمر رأيك فيها شنو؟
ردت عليها الأخت الكبرى سعاد.
-هويدا دي بالذات مابتنفع مع عماد، عماد جنو وجن الكلام الكتير، وهويدا دي بالعة ليها رادي.
ويعلو صوت الوالدة من المطبخ:
-انتي عاد يا سعاد من يومك هويدا دي مابتدوريها عشان اختلافكم في السياسة، خلوا أخوك يختار براهو.
يرد عليها عماد:
-أمي والله اخوالي واعمامي وأولادم وبناتم كلهم فوق راسي، لكن أنا قلت ليكم من زمان إني ماعاوز أي واحدة من الأهل، خاصة الأعمام والأخوال، لأنو الرسول صلى الله عليه وسلم قال اغتربوا ولاتضووا.
-صلى الله عليه وسلم، انتا عارفني ياعماد ولدي عمري ما حافرض عليك أي واحدة، ربنا يحفظك مما قمت ماسك درب ربنا، عشان كدا ماعندي شك انو ربنا حيديك بت الحلال البترضيك.
-الله يطول لينا في عمرك يمة ويبارك لينا في صحتك ياست الكل، انتي خيرنا وبركتنا، وربنا يرحم ابونا الطول عمرك ماقصرتي في حقو وكانت آخر كلماتو لينا: (أمكم دي فضلها عليّ كبير يا اولادي، والعملَتو معاي في مرضي الطويل دا مابيتعمل، لو ربنا شال امانتو ابقوا عشرة عليها)، فترد عليه سعاد بصوت خفيت:
-بااااالغت ياعماد، خلاص ذكّرتها بي أبوي تاني حتقعد تبكي لينا للصباح ونوم ماحتنومو، وترفع سعاد صوتها لتغيير دفة الحديث:
-غايتو يا أمي عماد دا بي طريقتنا دي لابيعرس لينا ولاحاجة، انا رأيي انك بس تتوكلي وتختاري ليهو واحدة، وانا واثقة أنو ماحيقول ليك لا.
وعندما طال صمت الوالدة ذهب عماد إلى المطبخ وقبل رأسها وقال:
-الليلة يا أمي عندي مزاج تعملي لي بي ايدك البركة دي شاي المغرب، ماعاوز ولاواحدة من اخواتي ديل تعملو، وخلي انتصار تجيبو لي برة لأني عاوز اقعد شوية ورا البيت.
أخرج عماد مقعدا اعتاد المرحوم الجلوس عليه خلف المنزل وجلس عليه.
نظر إلى اليمين فإذا بعدد من شجيرات العوير تنتظم على جانبي مجرى تصريف الماء من حمام جارهم عم محمد عثمان الخضرجي.
ياااااه
بدت له هذه الأزهار في غاية الجمال!.
ما اجمل تلاقح اللون الأبيض مع اللون البنفسجي!
لكأنه لم ير زهورا بهذا الجمال من قبل.
وفجأة…
تلوح له وفاء إبنة جارهم الخضرجي وهي تكنس المكان بين شجيرات العوير.
بدت له بكامل البهاء، فارعة الطول، وهي التي يعلم تخرجها العام الماضي في كلية التربية قسم الرياضيات، لقد كانت هذه رغبتها، قالت بأنها ترغب في مساعدة والدها كمعلمة في المدارس الثانوية، علما بأن مستواها الدراسي يؤهلها لدراسة الطب او الهندسة؛ لكنها آثرت كلية التربية قائلة بأن دراسة الطب يستغرق سنوات طويلة، وتكاليفه المادية فوق طاقة والدها.
أخرجته وفاء من توهانه منادية:
-سلامات ياعماد،
الليلة حقو الزول يرش المكان دا كلو عشان قعدتك الذكرتنا بي قعدة المرحوم الله يجعل مستقرو الجنة.
تملكت الدهشة عماد،
لماذا لم يفكر في وفاء هذه؟!
وياترى لماذا لم ترشحها له شقيقاته؟!
-الله يسلمك يا وفاء، تصدقي أول مرة أشوف الزهور دي وألقاها بالجمال دا!.
-هههههة، يا أخي الله يجبر بي خاطرك ياعماد، عاد الليلة عويرنا دا بالغ لمن بي غادي، ثم أردفت:
-عاين ياعماد، ابوك الله يرحمو لمن كان بقعد هنا وبقعد معاهو أبوي؛ كنا مرتبين خالتي السيدة من عندكم بتعمل الشاي وأمي بتعمل الجبنة، والجبنة هسّي والله عملناها وجااااهزة، خليني اجيبا ليك.
-لا لا ماتجيبيها…
أقول ليك قولة:
انا جايي اشربا عندكم.
-ياسلااااام تشرّف، طوالي والله.
ثم تعالى صوتها منادية:
-يا انتصار…
ياسعاد…
ياخالدة…
عليكم الله تعالوا كلكم ومعاكم خالتو السيدة عشان تشربو معانا الجبنة.
توقف عماد للحظات أمام شجيرات العوير يتلمس ازهارها الجيملة وهو مذهول ببهائها العجيب، انها جميلة حد الادهاش!
وجعل يسائل نفسه:
لماذا لم ينتبه لزهور العوير الجميلة هذه طوال سنوات عمره والمسافة بينها وبين باب بيتهم الخلفي أمتار قليلة؟!
واتجه صوب بيت جارتهم وفاء وطرق الباب، فإذا بأم وفاء هاشة وباشة تقول:
-الليلة زارنا النبي، دا مسا جمييييل الجابك لينا ياعماد ياولدي.
فقال لها وهو يرمق وفاء، وكأنه يراها لأول مرة!
-بالجد متلوم والله ياخالة، لكن إن شاء الله تاني ما انقطع منكم.
-ان شاء الله عمرك طويل ياولدي، انت يكفيك رضى المرحوم أبوك ياولدي، ابوك سمع اضاني قال في آخر كلامو (عافي منك ياعماد ياولدي).
وجاءت السيدة وبرفقتها شقيقات عماد الثلاث، وسرعان ما جيئ بالشاي والجبنة معا، وفاء تحمل صينية الشاي ومعها انتصار تحمل صينية الجبنة.
نظر عماد إلى وفاء وهي قادمة؛ فإذا هي في امتشاق ولين سنديانة، وتعلوها ابتسامة كالتي غنى لها محمد الأمين، وضعت مابيدها فإذا بقلبه يخفق ويغني:
الشاي باللبن
برادو لابس تاج
صينيتو الدهب
ترقش كبابي زجاج…
ومضت الساعات قصار ولسان حالهم جميعا يغني:
ود باب السنط
والدكة والنفاج
والحوش الوسيع
للساكنين أفواج
…
عندما سأل شقيقاته عن السبب في عدم ترشيحهن لوفاء؛ أجمعن بأنهن نسينها.
وقالت أمه:
والله ياعماد وفاء دي الوحيدة الكنت عاوزة أقول ليك عرسها، لكن كنت حالفة ما اتدخل في اختيارك.
…
قال عماد وهو ينظر إلى وفاء بحب وهي منشغلة في تهيئة ابنتهما الكبرى للمدرسة:
-الله يلعن الفقر الكان حيضيعك مِنِّي ياوفاء.
adilassoom@gmail.com





