الخرطوم تعود إلى قلب المشهد: دلالات انعقاد أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد التحرير ✍️ د. ابوالطيب ادم حسن سليمان

في لحظة فارقة من التاريخ السياسي السوداني، انعقد الاجتماع الأول لمجلس الوزراء برئاسة الدكتور كامل إدريس في الخرطوم، بعد تحريرها من قبضة الفوضى والصراع، وليس في بورتسودان كما كان الحال في الأشهر الماضية. هذا المشهد، وإن بدا في ظاهره مجرد إجراء بروتوكولي لاستئناف عمل الحكومة، إلا أنه في عمقه يحمل دلالات سياسية ورمزية بالغة الأهمية، تتجاوز حدود السياسة اليومية لتلامس قضايا السيادة، الشرعية، وإعادة بناء الدولة.
—
الخرطوم: عودة المركز إلى مكانه الطبيعي
منذ نشأة الدولة السودانية الحديثة، كانت الخرطوم رمزًا للوحدة الوطنية ومركزًا للسلطة والإدارة. انتقال الحكومة إلى بورتسودان في وقت الأزمة لم يكن إلا اضطرارًا أملته الظروف الأمنية، أما العودة اليوم فهي إعلان عملي أن العاصمة التاريخية استعادت مكانتها، وأن الدولة السودانية عادت إلى قلبها النابض.
—
سيادة الدولة وإعادة إنتاج الشرعية
انعقاد أول اجتماع وزاري في الخرطوم بعد التحرير ليس حدثًا إداريًا عابرًا، بل هو تجسيد لاستعادة السيادة. فالعاصمة تمثل مرآة الدولة أمام الداخل والخارج، ومن يملك الخرطوم يملك زمام المبادرة. هذه الخطوة تؤكد أن الحكومة لم تعد في موقع الدفاع، بل استعادت قدرتها على فرض وجودها في أهم مدن البلاد، وهو ما يمنحها دفعة قوية لترميم شرعيتها وإعادة بناء مؤسساتها.
—
رسالة انتصار إلى الداخل والخارج
إلى الداخل، يطمئن هذا الاجتماع المواطنين بأن الدولة استعادت السيطرة وأن الخرطوم باتت آمنة لإدارة شؤون البلاد منها. وإلى الخارج، يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن السودان تجاوز مرحلة الانهيار، وأن مؤسساته قادرة على النهوض مجددًا من موقعها الطبيعي. بذلك، يصبح الاجتماع لحظة سياسية رمزية لتثبيت صورة الحكومة كسلطة مستقرة وليست مؤقتة.
—
إنهاء “العاصمة البديلة” ورسالة للخصوم
بورتسودان أدت دورها كعاصمة مؤقتة خلال الأزمة، لكنها لم تكن ولن تكون بديلًا للخرطوم. عودة الحكومة إلى العاصمة الأصلية تغلق صفحة “المنفى الداخلي”، وتؤكد أن المركز لم يتزحزح. كذلك، فإن الاجتماع يوجه رسالة قوية للخصوم والقوى المسلحة بأن الدولة استعادت قلبها، وأن أي حديث عن بدائل أو مراكز سلطة موازية لم يعد مطروحًا.
—
ما بعد الرمزية: تحديات البناء.
مع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس فقط في استعادة الخرطوم، بل في تحويل هذا النصر الرمزي إلى مشروع سياسي واقتصادي يعيد بناء الدولة ويحقق تطلعات المواطنين. فالعودة إلى العاصمة خطوة مهمة، لكن نجاحها مرهون بقدرة القيادة على تحقيق الأمن الدائم، إعادة الخدمات، وجذب الثقة الداخلية والخارجية في آن واحد.
—
خاتمة
إن انعقاد أول اجتماع لمجلس الوزراء في الخرطوم بعد التحرير يمثل لحظة تاريخية تؤرخ لمرحلة جديدة في مسيرة السودان. هي لحظة تجمع بين الرمزية والسياسة، بين السيادة والانتصار، وبين إعادة المركز إلى موقعه الطبيعي والانطلاق نحو بناء المستقبل. وبقدر ما تحمل من دلالات عميقة، فإنها تضع على عاتق الحكومة مسؤولية مضاعفة لترجمة هذا المكسب السياسي إلى إنجازات ملموسة في حياة المواطنين





