مقالات الرأي
أخر الأخبار

حين يسقط القناع عن نخبٍ تقتات على الانقسام ✍️ د. علاء عما الدين البدري

ما يحدث اليوم في نيالا لا يمكن اختزاله في كونه حدثًا محليًا عابرًا بل هو انعكاس صارخ لحالة وطنية مأزومة تُدار فيها السياسة بمنطق الغنيمة لا بمنطق الدولة وتُقدّم فيها الولاءات الضيقة على حساب المصلحة الوطنية الجامعة إن نيالا اليوم تُنذر بما قد يصيب باقي الجسد الوطني إن استمر الحال على ما هو عليه لقد تهاوت الشعارات الكبرى على عتبات الواقع وسقطت الأقنعة عن وجوه نخبوية طالما تبنّت خطاب الدفاع عن الشعب وحقوقه فإذا بها تمارس ذات السياسات التي لطالما كانت سببًا في إفساد الحياة العامة في السودان أما الحكومة فبدل أن تكون سلطة راعية لوحدة البلاد أصبحت طرفًا في لعبة توزيع النفوذ وفق منطق لا يرى في الوطن أكثر من كعكة قابلة للتقاسم.

 

الأخطر من ذلك أن القوى التي كانت ترفع لواء “الحرية والتغيير” أصبحت اليوم تقتطع من أوصال الوطن باسم “الشراكة” وتستبدل صوت الشعب بصفقات لا تمثّل إلا أطماعها لم يعد خافيًا أن كثيرًا ممن تصدروا المشهد السياسي لا يسعون إلى بناء دولة بل إلى ضمان موطئ قدم في مشهد تزداد فيه الانقسامات وتُصادر فيه الإرادة الشعبية الخيبة الأكبر أن من كانوا يتحدثون باسم الناس يساومون اليوم على حسابهم من كانوا يَعِدون بالحرية والكرامة يوزّعون الآن الولاءات كما تُوزّع الغنائم وما يجري ليس إلا تتويجًا لمسار طويل من الانتهازية تُدار فيه المرحلة بعقلية من لا يرى أبعد من حدود مكاسبه اللحظية.

 

أن القوات المسلحة السودانية ومعها القوات المساندة لها قد أدّت ما عليها من واجب في ظروف معقّدة وبإمكانات محدودة وسدّت فجوة كان من المفترض أن تملأها النخب المدنية لقد دفعت القوات المسلحة ثمن هذا العبث السياسي لكنها ظلت رغم الاستهداف والتشويه تقوم بواجبها في حماية ما تبقى من بنية الدولة وهنا تبرز الحقيقة الجليّة لقد أدت ما عليها من واجب والآن حان دور الشعب نعم المسؤولية اليوم تقع على عاتق المواطن الذي لم يعد بإمكانه الاكتفاء بدور المتفرّج أو الضحية لحظة الحقيقة قد حانت إما وطن واحد يجمع الجميع أو قبول واضح وصريح بتقسيم البلاد جغرافيًا ليتحمّل كل طرف مسؤولية إدارة “دولته” الجديدة كما يشاء.

 

وأمام هذا الانحدار لا بد من وقفة جادة إما أن تُستعاد هيبة الدولة ويُعاد الاعتبار للقانون والمؤسسات وإما فإن البلاد مقبلة على مزيد من التشظي والانقسام حيث يسير كل طرف في طريقه ينسج “وطنه” الخاص وفق مصالحه الضيقة ما يحدث في نيالا جرس إنذار ويجب أن يُسمع صداه في كل ركن من أركان السودان لأن الصمت أو التواطؤ في هذه اللحظة الحرجة يعني المساهمة في قتل ما تبقى من أمل في وحدة الوطن.

 

هذه لحظة مفصلية لا مجال فيها للمجاملة ولا وقت فيها للمناورة إنّ ما جرى في نيالا ليس نهاية القصة بل بداية صفحة جديدة يكتبها الشعب بإرادته فإما اتفاق وطني جامع يُخرج البلاد من هذه الدوامة أو ترسيم واقع الانقسام وتثبيت الخرائط.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام