إندونيسيا.. أزمة ثقة تهدد أكبر ديمقراطية إسلامية ✍️ فريق شرطه حقوقي محمود قسم السيد

تشهد إندونيسيا – أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وأحد أهم اقتصادات جنوب شرق آسيا – اضطرابات غير مسبوقة منذ أكثر من عقدين، انطلقت شرارتها من جدل حول الامتيازات المالية لأعضاء البرلمان، لكنها سرعان ما تحولت إلى موجة غضب عارمة تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالثقة في المؤسسات السياسية والأمنية.
المشهد لم يتوقف عند احتجاجات طلابية متفرقة، بل سرعان ما تصاعد إلى أعمال عنف خلفت قتلى وجرحى وخسائر مادية، وأدت إلى اعتقال المئات. واللافت أن حادثة دهس شاب على يد مركبة شرطة زادت النار اشتعالًا، وأعطت للحراك بعدًا يتجاوز المطالب الاقتصادية نحو المطالبة بإصلاح الشرطة وإعادة الاعتبار للعدالة الاجتماعية.
في المقابل، حاول الرئيس برابوو سوبيانتو امتصاص الغضب عبر إعلان تخفيض مخصصات النواب، إلا أن خطوته رافقها إشادة بالقوات الأمنية وترقيات لعدد من عناصرها، ما جعل المعارضة الطلابية ترى فيها “رسالة متناقضة” بين الاستجابة للشارع والتمسك بالنهج الأمني.
إقليميًا، تنظر العواصم المجاورة بقلق إلى الأزمة، إذ يشكل استقرار إندونيسيا حجر زاوية في أمن جنوب شرق آسيا ونموه الاقتصادي. وقد سارعت الصين – الشريك التجاري الأول – إلى إعلان دعمها لقيادة سوبيانتو، بما يعكس أهمية التوازن الداخلي الإندونيسي على الساحة الدولية.
دروس من السودان :
ما يحدث في إندونيسيا يعيد إلى الأذهان تجربة السودان في عهود ديمقراطيته الضعيفة، حيث انشغل كثير من النواب حينها بـ الرواتب العالية والحوافز والسيارات وتصاديق المزارع والأراضي السكنية، بل وصل الأمر إلى الحصول على أكشاك ومحال تجارية كمصادر دخل إضافية. النتيجة كانت فقدان الثقة الشعبية وتحول البرلمان إلى ساحة لمصالح ضيقة، بدلًا من أن يكون منصة للرقابة والتشريع وخدمة المواطنين.
إن المشهد السوداني يوضح أن أزمة الثقة بين الشعوب وممثليها ليست حكرًا على بلد بعينه، بل هي معضلة تواجه الديمقراطيات الناشئة كلما غلبت المصالح الخاصة على الواجب العام.
خلاصة :
إن ما يجري اليوم في جاكرتا لا يختزل في قضية “رواتب النواب”، بل يعكس أزمة ثقة بنيوية في المؤسسات، ويضع القيادة أمام اختبار صعب: كيف توازن بين ضرورة الإصلاح الجاد وبين فرض النظام؟ وهو امتحان ستترتب عليه ليس فقط ملامح المرحلة المقبلة في إندونيسيا، بل أيضًا صورة البلاد كقوة استقرار في عالم إسلامي وإقليمي متقلب.
والله ولي التوفيق





