
يعدّ التطوع قوة محركة للتغيير الإيجابي في المجتمعات، خاصة في الأوقات التي تمر فيها الدول بتحديات كبيرة. في السودان، حيث تشهد البلاد تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تبرز الحاجة الملحة إلى إرساء منظومة تطوعية متكاملة. لا يقتصر التطوع على كونه عملاً إنسانياً نبيلاً فحسب، بل هو استثمار في رأس المال البشري وتنمية للمجتمع، يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من المسار الحياتي للأفراد، شريطة أن يتم تنظيمه وفق معايير ونظم ولوائح واضحة.
إن الأوضاع الراهنة في السودان، والتي تتسم بالتعقيد والتعددية، تجعل من التطوع أداة حيوية للتعافي والبناء. لا يمكن للحكومات وحدها أن تعالج كافة المشكلات، من الأزمات الإنسانية إلى التحديات التنموية. هنا يأتي دور المتطوعين، الذين يمكنهم سد الفجوات في القطاعات الأساسية مثل التعليم، والصحة، والإغاثة الإنسانية، والتوعية المجتمعية. فمن خلال جهودهم، يمكن الوصول إلى المناطق النائية، وتقديم الدعم للفئات الأكثر ضعفاً، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته النزاعات.
يجب أن تتجاوز فكرة التطوع كونها نشاطاً موسمياً أو عفوياً، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من المسار الحياتي لكل فرد. يمكن تحقيق ذلك عبر عدة محاور منها التعليم والشباب بدمج العمل التطوعي في المناهج الدراسية والجامعية، وجعله متطلباً للتخرج أو الحصول على شهادات. هذا النهج يغرس قيم العطاء والمسؤولية الاجتماعية في نفوس الأجيال الشابة منذ سن مبكرة.
القطاع الخاص والمهني بتشجيع الشركات والمؤسسات على تخصيص ساعات تطوعية لموظفيها، ودعم المبادرات التطوعية مادياً ولوجستياً. هذا يعزز من مسؤوليتها المجتمعية ويخلق بيئة عمل إيجابية ونشاء نظام وطني للاعتراف والتقدير بالجهود التطوعية وتقديرها، من خلال منح شهادات، أو نقاط تفضيل في التوظيف، أو حتى جوائز سنوية. هذا يحفز الأفراد على الاستمرار في العطاء ويمنحهم شعوراً بالانتماء والفخر.
لكي يكون التطوع فعالاً ومستداماً، لا بد من وضع إطار تنظيمي يضمن الشفافية والمساءلة. هذه المنظومة يجب أن تتضمن تحديد معايير واضحة لاختيار المتطوعين، وتدريبهم على المهارات اللازمة، وتوزيعهم على المهام وفقاً قدراتهم واهتماماتهم، ووضع نظم ولوائح تحكم العلاقة بين المتطوعين والجهات المستفيدة، وتحدد حقوق وواجبات كل طرف. كما يجب أن تتضمن هذه اللوائح آليات لحل النزاعات وتوفير الحماية للمتطوعين.
ضرورة توفر بنية تحتية داعمة بإنشاء منصات إلكترونية لتسهيل عملية التسجيل والتواصل بين المتطوعين والمؤسسات، وتوفير مراكز تدريب وموارد لوجستية لدعم الأنشطة التطوعية.
إن العمل التطوعي ليس مجرد رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لمستقبل السودان. عبر إرساء منظومة شاملة ومنظمة، يمكن تحويل الطاقات الفردية إلى قوة جماعية قادرة على إحداث فرق حقيقي ومستدام. فهل نحن مستعدون للاستثمار في هذه القوة الخفية التي يمكن أن تعيد بناء الوطن من جديد؟





