التاكسي الجوي… ذاكرة خليل عثمان وحلمٌ ينتظر التحليق من جديد ✍️ فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السيد

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم يكن التاكسي الجوي مجرد وسيلة نقل، بل كان رمزًا لرؤية وطنية جريئة تبنّاها رجل الأعمال السوداني الرائد خليل عثمان، رحمه الله. كان يؤمن أن السودان، بامتداداته المترامية وأقاليمه البعيدة، يحتاج إلى أجنحة صغيرة تحمل الناس من ولاية إلى أخرى، وتختصر المسافات، وتفتح أبواب التنمية والتواصل، ماضينا مليء بالمفارقات.
لقد كانت تجربة التاكسي الجوي آنذاك سبقًا حضاريًا، إذ مكّن المواطنين من التنقل بسرعة بين المدن، وربط الأرياف بالعاصمة، وفتح آفاق التجارة والتعليم والصحة، لكن – وكغيره من المشاريع الريادية – تراجع التاكسي الجوي مع مرور الزمن، وغاب عن سماء السودان، تاركًا أثرًا عالقًا في الذاكرة.
اليوم، ومع ثورة التقنية والطيران الحديث، يعود السؤال مُلِحًّا: متى نستعيد هذا الحلم؟
فالعالم يتحدث الآن عن المواصلات الجوية الحضرية (Urban Air Mobility)، ونحن أحوج ما نكون إليها، خصوصًا مع ظروف الطرق البرية المنهكة، واتساع رقعة البلاد، وتحديات الأمن والخدمات.
ولنا في رواندا وكينيا مثالٌ مُلهم؛ فقد سبقتا إلى إدخال الطائرات الخفيفة والطائرات المسيّرة (الدرون) لنقل الأدوية والدم والمستلزمات الطبية إلى المناطق النائية. وفي كينيا تحديدًا بدأت مشاريع تجريبية للتاكسي الجوي الحضري، اعتمادًا على طائرات كهربائية صغيرة تُدار بتقنيات حديثة. هذه التجارب الأفريقية تثبت أن الطموح ليس حكرًا على أوروبا وأمريكا واسيا، بل يمكن أن يكون واقعًا في قارتنا أيضًا.
إعادة بعث فكرة التاكسي الجوي في السودان ليست ترفًا، بل ضرورة تنموية واقتصادية وأمنية،فالمستشفيات تحتاج لنقل المرضى والإمدادات بسرعة، والمزارع في الأطراف تحتاج لنقل منتجاتها إلى الأسواق، والطلاب يحتاجون لوصلٍ يختصر عليهم عناء السفر الطويل.
إننا حين نستعيد هذه التجربة بروحٍ جديدة، نكون أوفياء لذكرى رجالٍ كخليل عثمان، الذين لم يكتفوا بالحلم، بل حوّلوا الحلم إلى مشروع، والمشروع إلى واقع. وكأن لسان حاله يقول:
“ازرعوا أجنحة لأحلامكم… فإن الأرض وحدها لا تكفي!”
إنها ليست مجرد طائرات صغيرة، بل رمزٌ لنهضة ممكنة، وجسرٌ يربط بين أطراف الوطن، ودليلٌ أن السودان قادر على أن ينهض من رماده، كما تنهض الطيور من بين الركام، فتحلق من جديد.
والله ولي التوفيق





