التعليم: الحق المنتهَك في زمن الحروب والنزاعات – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يُعدّ التعليم حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، فهو ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل هو أساس بناء المجتمعات، وتنمية الأفراد، وفتح آفاق المستقبل. ومع ذلك، في كل عام، ومع حلول التاسع من سبتمبر، الذي يُصادف اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، نتذكّر كيف يصبح هذا الحق المنتهَك في زمن الحروب والنزاعات. ففي ظل الصراعات المسلحة، تتحول المدارس من منارات للعلم إلى أهداف للهجمات، ويُحرم ملايين الأطفال من فرصتهم في التعلم، تاركين وراءهم جيلًا معرضًا لخطر الضياع والتهميش.
في قلب هذه المأساة، تقبع الأوضاع المؤلمة في السودان. فمع اندلاع الحرب الدائرة حاليًا، أصبحت المدارس والمؤسسات التعليمية ضحية مباشرة للهجمات، وتحولت قاعات الدراسة إلى ثكنات عسكرية، أو دُمرت بالكامل. إن تأثير هذه الهجمات لا يقتصر على تدمير المباني، بل يمتد إلى تعطيل العملية التعليمية بشكل كامل، مما يؤدي إلى حرمان جيل كامل من الطلاب من حقهم في التعليم، ويُهدد مستقبل البلاد بأكملها. يُعدّ هذا الوضع إشارة واضحة إلى أن حماية التعليم ليست مجرد مسؤولية أخلاقية، بل هي ضرورة حيوية لضمان استقرار أي مجتمع بعد انتهاء الصراع.
إن إعادة منظومة التعليم في السودان إلى سيرتها الأولى بعد انتهاء الحرب تتطلب جهدًا جماعيًا واستراتيجية شاملة. لا يمكن لهذا الأمر أن يتم ببساطة من خلال إعادة فتح المدارس، بل يجب أن يرتكز على عدة محاور أساسية. أولًا، يجب أن يكون هناك تأهيل نفسي ودعم اجتماعي للطلاب والمعلمين الذين عايشوا فظائع الحرب، لمساعدتهم على تجاوز الصدمة والعودة إلى بيئة تعليمية آمنة. ثانيًا، يجب إعادة بناء البنية التحتية للمدارس المتضررة، وتوفير المواد التعليمية اللازمة لضمان استئناف الدراسة. ثالثًا، لا بد من تطوير مناهج تعليمية تتناسب مع الواقع الجديد، وتعمل على تعزيز قيم السلام، والتسامح، والتعايش السلمي. هذه الخطوات لن تعيد التعليم فحسب، بل ستساهم في إعادة بناء النسيج الاجتماعي للمجتمع السوداني.
في خضم هذه الأوضاع الصعبة، تبرز تجارب ملهمة تُظهر أن الأمل ما زال قائمًا. من بين هذه التجارب، تُعدّ مدرسة الصداقة السودانية في القاهرة نموذجًا يُحتذى به في تبني سياسات هادفة لتنظيم التعليم السوداني للطلاب اللاجئين في مصر. إن الجهود الكبيرة التي تبذلها هذه المؤسسة، بالتعاون مع المجلس الأعلى للجالية السودانية في مصر، تُظهر كيف يمكن للتعاون والتنسيق أن يُحدثا فرقًا حقيقيًا.
لقد تناول الاجتماع الأخير بين إدارة المدرسة وممثلي الجالية الأوضاع الراهنة للمدارس والتعليم السوداني في مصر، واستمع إلى هموم وتحديات الجالية في مجال التعليم. إن هذا الحوار المفتوح والشفاف، الذي يركز على أهمية التنسيق والتشاور، يضمن سير العملية التعليمية بصورة مستقرة مع اقتراب العام الدراسي الجديد.
وتحت إشراف المستشارية الثقافية، تعمل مدرسة الصداقة على إحداث نقلة نوعية في إدارة الملف التعليمي من خلال نظام الإدارة المدرسية الموحد، وتقديم تجديدات تربوية لدعم مصلحة الطلاب. إن تقدير الجالية السودانية لهذه الجهود الكبيرة يُعدّ شهادة على أهمية هذا العمل في توفير بيئة تعليمية صالحة وتوفير الطمأنينة لأولياء الأمور. إن هذا النموذج من التعاون يُرسّخ فكرة أن الجالية السودانية ليست مجرد متلقٍ للخدمة، بل شريك فاعل في بناء مستقبل أبنائها.
وفي الختام، تبقى حماية التعليم من الهجمات مسؤولية مشتركة. ففي اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، يجب أن نتذكر أن التعليم ليس مجرد حق، بل هو استثمار في المستقبل. إن ما يحدث في السودان وفي أماكن أخرى من العالم، يفرض علينا ضرورة العمل بجدّ من أجل إعادة بناء ما دمرته الحروب، وضمان أن تظل المدارس منارات للعلم والأمان، لا أهدافًا للدمار.





