طه هارون حامدمقالات الرأي
أخر الأخبار

نحو سردية سلام شاملة في الوطن العربي: من منطق الانتصار والهزيمة إلى ثقافة المواطنة والعيش المشترك ✍️ طه هارون حامد

مقدمة

تعيش المجتمعات العربية منذ عقود في دوامة من الصراعات والحروب، تتفاوت في طبيعتها بين نزاعات أهلية، وصراعات طائفية، وتدخلات خارجية، وانهيارات مؤسساتية. ومع أن بعض هذه النزاعات دخل مرحلة ما يُعرف بـ”ما بعد الحرب”، إلا أن السلام المأمول لا يزال هشاً ومؤقتاً، غالباً ما يستند إلى توازنات قوى آنية وليس إلى أسس راسخة تُعزز الاستقرار والتنمية.

يكون بناء سردية سلام شاملة في الوطن العربي تتجاوز منطق الانتصار والهزيمة، وتُعيد تشكيل الوعي الجمعي حول مفاهيم المواطنة والعيش المشترك؟

للإجابة على هذا السؤال، لا بد من الخروج من الأطر التقليدية لمقاربة السلم، والانطلاق نحو بناء سردية جديدة تُعيد تعريف المفاهيم السياسية والاجتماعية والثقافية، وتُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة.

أولاً:

الحاجة إلى سردية سلام تتجاوز الثنائيات الصراعية

منطق “المنتصر” و”المهزوم”:

غالباً ما تنتهي الحروب العربية باتفاقيات تُكرّس تفوق طرف على آخر، دون معالجة الجذور العميقة للصراع. هذه السرديات المنتصرة تُقصي الآخر وتُعيد إنتاج خطاب الهيمنة، ما يزرع بذور صراع قادم. فالمنتصر يسعى إلى فرض رؤيته على الدولة والمجتمع، فيما يشعر “المهزوم” بالإقصاء والخذلان، ما يقود إلى إعادة تموضع قد ينفجر لاحقاً في شكل انتفاضة أو تمرّد.

الحاجة إلى سردية جامعة:

تتطلب المجتمعات ما بعد الحرب سردية جامعة لا تقوم على ثنائية المنتصر والمهزوم، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق، ومشاركة المسؤولية في ما جرى، والاتفاق على مستقبل مشترك. هذه السردية ينبغي أن تنظر إلى الماضي بهدف الفهم، لا الانتقام، وإلى المستقبل بوصفه مساحة للتشارك لا للتنازع.

ثانياً:

نحو تأسيس مفهوم جامع للمواطنة

المواطنة كبديل للهويات المتناحرة:

تُظهر التجارب العربية أن الحروب غالباً ما تُفجّر الهويات الفرعية—الطائفية، القبلية، المناطقية—على حساب الهوية الوطنية. لبناء سردية سلام، لا بد من إعادة الاعتبار إلى مفهوم المواطنة المتساوية، حيث يكون الانتماء للدولة متقدماً على الانتماءات الضيقة، دون أن يلغيها أو يقمعها.

المواطنة بوصفها علاقة حقوق وواجبات:

السردية الجديدة للسلام يجب أن تُعزز فكرة أن جميع الأفراد متساوون أمام القانون، وأن الدولة هي الضامن لهذه المساواة. هذا يتطلب إصلاحات دستورية وتشريعية تُنهي التمييز، وتُرسخ مبدأ سيادة القانون، وفصل السلطات، وتكافؤ الفرص.

ثالثاً:

بناء سردية ثقافية وأخلاقية للعيش المشترك

إصلاح التعليم والإعلام:

لا يمكن بناء سلام دائم دون تغيير البُنى الثقافية التي كرّست خطاب الكراهية والعنف والإقصاء. فالتعليم يجب أن يُرسّخ ثقافة الحوار، والتعدد، والتسامح، بدلاً من التلقين والتعصب. كما أن الإعلام ينبغي أن يتخلى عن دور التجييش، ويتحول إلى أداة لبناء وعي مجتمعي نقدي، ومساحة لسرد قصص المصالحة والنجاة والشفاء الجماعي.

العدالة الانتقالية كشرط للعيش المشترك:

لا يمكن تحقيق العيش المشترك دون الاعتراف بالضحايا، والمحاسبة على الجرائم، وكشف الحقيقة، وضمان عدم التكرار. العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل خطوة نحو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبين مكونات المجتمع ذاته.

رابعاً:

دور النخب والمؤسسات الدينية والمدنية في صناعة السردية

1. النخب الفكرية والثقافية:

على المثقفين والأكاديميين العرب مسؤولية تأسيس خطاب جديد لا يُعيد إنتاج العداء، بل يُعيد بناء السردية على أساس النقد الذاتي، والاعتراف بالأخطاء، والانفتاح على الآخر. فبناء السلام ليس مهمة سياسية فقط، بل ثقافية في جوهرها.

2. المؤسسات الدينية:

تلعب المؤسسات الدينية دوراً محورياً، سلباً أو إيجاباً، في المجتمعات العربية. لذا، لا بد من تحرير الخطاب الديني من الاستغلال السياسي، ودفعه نحو تأكيد قيم الرحمة والعدل والتسامح، وتفكيك الفتاوى والنصوص التي بُنيت على سياقات الحرب والتحريض.

3. منظمات المجتمع المدني:

تمثل منظمات المجتمع المدني جسراً بين الدولة والمجتمع، ويمكن أن تكون حاضنة للحوارات المجتمعية، ومبادرات التعايش، وبرامج بناء السلام المحلي، شرط أن تُدار بشفافية واستقلالية، وتتجاوز الخطابات النخبوية نحو الانخراط الحقيقي في هموم الناس.

خامساً:

من سردية “ما بعد الحرب” إلى سردية “ما قبل السلام”

من الخطأ الاعتقاد أن انتهاء الحرب يعني بداية السلام. فالمراحل الانتقالية هشة، وقد تتحول إلى حالة “لا حرب ولا سلام”. لبناء سردية سلام فعالة، يجب أن ننتقل من مجرد إدارة مرحلة ما بعد الحرب إلى التخطيط لبناء مرحلة ما قبل السلام، والتي تتطلب:

مصالحات مجتمعية حقيقية عميقة، لا تُفرض من أعلى بل تُبنى من القاعدة.

توزيع عادل للثروات، يُنهي التفاوتات التي غذّت النزاعات.

تعزيز الشعور بالانتماء، لا بالتبعية.

اذا في الاخر نقول

بناء سردية سلام شاملة في الوطن العربي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. السلام الحقيقي لا يُبنى باتفاقيات فوقية، بل بإعادة تشكيل الوعي الجمعي حول معاني الانتماء، والاختلاف، والتعدد، والمواطنة، والعدالة.

هي مهمة معقدة، لكن ليست مستحيلة. تبدأ من الاعتراف بالألم، ولا تتوقف عند المصالحة، بل تستمر في إنتاج خطاب إنساني جديد يروي حكايات الشفاء، والانبعاث من تحت الأنقاض.

إن السلام لا يعني غياب الحرب فقط، بل حضور العدالة، وكرامة الإنسان، وقوة المجتمع السليم المتعايش المتماسك. هذه هي السردية التي نحتاج إليها اليوم… وأكثر من أي وقت مضى.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام