حُمَّياتٌ تفتك بالبشر… وفسادٌ يُضاعفُ العذاب ✍️ فريق شرطة حقوقي – محمود قسم السيد

في زمنٍ تُخبِرُ فيه الأرقام والوقائع بتزايدٍ غير مسبوق في حالات الحُمّى —وخاصة حمّى الضنك— يجد المواطن نفسه أمام مفارقةٍ مريرة:
الأمراض تفتك بالأجساد، بينما أسعار الفحوصات ترتفع بشكل تعسفي، والأدوية الأساسية تختفي من الأسواق. ما كان ينبغي أن يكون خطّ إنقاذٍ بسيطًا أصبح ترفًا لا يقدر عليه الفقراء، ووسيلةً لجمع الأرباح على حساب الأرواح المنهكة التي لم تعد تقوى حتى على الوقوف لأداء الصلاة من شدّة المسغبة وضيق الموارد، مع غياب الداعمين وانحسار يد العون من المغتربين.
إن ارتفاع رسوم فحص الضنك وما يصاحبه من استغلال فجّ للخدمات الصحية لا يعكس فقط عجزًا في السياسات، بل يكشف غيابًا كاملاً لدور الرقابة والمساءلة. وفي الوقت الذي يسعى فيه المواطن لحماية نفسه وأسرته، يجد أبواب العلاج مغلقة بيد من جعل صحة الناس تجارةً رابحة.
ثلاثية الحُمَّيات —الملاريا في الصدارة، والتايفويد حاضرة، والضنك زادت ضَنكًا وإرهاقًا— تضرب السودان كأنها حرب جديدة، لا تفرّق بين الأقاليم ولا بين الفقير والغني.
وليس هذا فحسب: اختفاء الأدوية البسيطة (مسكنات الحمى، محاليل الإرواء، أدوية الطوارئ) يطيح بما تبقى من أمان صحي. حين تغيب هذه الأدوية، يضطر الناس إلى بدائل تقليدية، أو وسطاء جشعين، أو الانتظار حتى يستفحل المرض — وغالبًا ما يكون الانتظار قاتلاً.
تراكم النفايات… بيئة خصبة للأوبئة
تكدّس القمامة، انسداد المصارف، والإهمال في جمع الفضلات جعل من القرى والمدن بؤرًا لتوالد البعوض والذباب والقوارض الناقلة للأمراض. إن الإصحاح البيئي ليس رفاهية، بل هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأوبئة، وإهماله بمثابة نسفٍ متعمَّد للصحة العامة، خصوصًا حين يقترن بالفساد الإداري والمالي.
الفساد… خيط يربط الاستغلال بالحرب والدمار
هذه الممارسات —من استغلال الأسعار وتجارة الدواء، إلى غياب الرقابة ونهب الموارد— لم تكن مجرد أخطاءٍ عابرة، بل كانت أحد جذور ما حلّ بنا من ويلات. لقد غذّت جذوة الحرب المشتعلة، فقتلت الأرواح البريئة، وانتهكت الحرمات، ونهبت الأموال، وأتت على الأخضر واليابس.
قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}
(النحل: 112)
وقال سبحانه: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: (السجدة: 21)
الصبر… بين الفضيلة والعجز
في أمدرمان سوقٌ “صابرين”، كأنه يذكّر الناس بفضيلة الصبر في ضيق العيش. لكن الحقيقة المُرَّة أن الصبر في ظل الفساد يتحوّل إلى عجز؛ فلا يُطلب من المواطن أن يصبر على جشع المحتكرين، ولا على غياب الرقابة، ولا على نهب مقدراته.
إن الصبر فضيلة حين يقترن بالأمل والعمل والإصلاح، لكنه يصبح استسلامًا مذمومًا إذا اتخذ غطاءً لتبرير الفساد وإدامة المعاناة.
خاتمة
ما نعيشه من ابتلاءات في الصحة والعيش والأمن ليس بعيدًا عن سنن الله في عباده، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} :(البقرة: 155-157)
الحمد لله، لقد اجتمعت علينا جميع هذه الابتلاءات: خوفٌ، وجوع، ونقص في الأموال والأنفس، وحتى “الثمرات” — فقد عزّ البصل وصار رمزًا لبلاء المعيشة.
فنسأل الله أن يجعلنا من الصابرين المحتسبين، وأن يمنح وطننا العافية والرحمة والهداية.





