بناء الإنسان في زمن تتعاظم فيه التحديات والمتغيرات ✍️ طه هارون حامد

العالم في تسارع فيه المتغيرات وتتعاظم التحديات، تقف المجتمعات أمام سؤال محوري: كيف نعيد بناء الإنسان؟ لقد أصبح واضحًا أن الأزمات التي نعانيها ليست فقط اقتصادية أو سياسية،او خطابىالكراهية بل هي أزمات قيم وأخلاق وفكر. لقد فقد الإنسان كثيرًا من القيم النبيلة التي كانت تمثل أساس التعايش الإنساني ومصالحة الانسان والبيئة ، مثل التسامح، والإخاء، والمودة، وأصبح الخطاب العام في كثير من الأحيان ملوثًا بعبارات سوقية، ومشحونًا بخطاب الكراهية والإقصاء.
تبرز أهمية إعادة بناء الإنسان، ليس فقط كمشروع تنموي، بل كأولوية وجودية، لأن صلاح الإنسان هو المدخل الحقيقي لصلاح المجتمع والدولة. إن بناء الإنسان لا يتم عبر التوجيه الخطابي أو التنظير المجرد، بل عبر منظومة متكاملة من السياسات والممارسات والمؤسسات، تبدأ من نشر الوعي والثقافة، وتمر بتطوير التعليم، وتنتهي ببناء منظومة رقابية وعدلية عادلة.
أولًا:
نشر الوعي والثقافة . التوعية والتدريب و أساس البناء الداخلي
الوعي هو الخطوة الأولى في طريق الإصلاح. فبدون وعي حقيقي، يبقى الإنسان فريسة سهلة للتضليل والتعصب والانغلاق. وهنا تبرز أهمية الإعلام الهادف، وندوات التثقيف، وبرامج التوعية في المدارس والجامعات، وأهمية تعزيز قيم الحوار والتفكير النقدي، بعيدًا عن التلقين والانغلاق. كما أن للثقافة دورًا محوريًا في ترسيخ الهوية الحضارية وتعزيز الانتماء الوطني دون أن تتحول إلى أداة لنبذ الآخر أو تكريس الجمود.
ثانيًا:
التعليم – القاطرة الحقيقية للتغيير في الحاضر والمستقبل
لا يمكن تصور بناء إنسان واعٍ ومتماسك دون نظام تعليمي حديث، قادر على بناء العقول وتنمية المهارات. إن مؤسسات التعليم، من الروضة وحتى الدراسات العليا، ينبغي أن تكون منصات لتكوين الشخصية المتكاملة، التي تجمع بين المعرفة، والقيم، والمهارات الحياتية. كما أن كليات التنمية البشرية والمراكز البحثية لها دور حيوي في تطوير قدرات الأفراد والمؤسسات على حد سواء، ما يجعل من الاستثمار في التعليم استثمارًا استراتيجيًا.
ثالثًا:
دور العبادة والتعليم الموازي – غرس القيم وتعميق الروح
الجانب الروحي والقيمي لا يقل أهمية عن الجانب العقلي، ودور العبادة ليست فقط أماكن للعبادة، بل فضاءات لغرس القيم النبيلة، وعلى رأسها التسامح، والمحبة، وضبط النفس، واحترام الآخر. كما أن التعليم الموازي، كالمبادرات المجتمعية، والبرامج الشبابية، والدورات التدريبية، يمثل دعامة مساندة للتعليم الرسمي، ويسهم في تأهيل الإنسان فكريًا وسلوكيًا.
رابعًا:
الرياضة والأنشطة التنافسية – بناء الجسد وتعزيز الانتماء
الأندية الرياضية، والأنشطة الثقافية، والمنافسات المختلفة، ليست ترفًا مجتمعيًا، بل وسائل فعالة لبناء الإنسان من حيث تعزيز الانضباط، والعمل الجماعي، والروح التنافسية النزيهة. إن مشاركة الشباب في هذه الأنشطة تساهم في حمايتهم من الانحراف، وتوجيه طاقتهم نحو البناء والإبداع.
خامسًا:
الدولة وأجهزتها – الحاضن الأكبر لعملية البناء والمحافظةعلي المجتمعات
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها في هذا المشروع النهضوي، من خلال تأهيل وتدريب المختصين في القطاعات الحيوية، وتفعيل الأجهزة الرقابية والعقابية، بما يضمن العدالة، ويعزز الثقة في المؤسسات. الرقابة ليست مجرد سلطة، بل هي جزء من منظومة الإصلاح، إذ لا يمكن بناء إنسان سوي في بيئة يسودها الفساد أو تتغيب فيها العدالة والمساواة والارشاد والتوجيه القويم
نحو بناء مجتمعي لا رعوي
الهدف النهائي هو الانتقال من مجتمعات تعتمد على “الرعايات” أو التدخلات الوقتية، إلى مجتمعات تمتلك مناعتها الذاتية، بفضل أفرادها الواعين والمبصرين ومنظوماتها الفاعلة. وكما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
“ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب”،
نستخلص أن البناء الحقيقي للإنسان لا يكون بالقوة الجسدية أو التسلط، بل بامتلاك النفس، والتحكم بالعواطف، والتمسك بالقيم في زمن الاستفزازات والضغوط.
اذا نخلص للاتي
إعادة بناء الإنسان ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. إنها مشروع وطني وأخلاقي وقيمي وحضاري، يتطلب تضافر جهود الجميع: الدولة، والمجتمع،ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات والمؤسسات، والأفراد. فكل جهد يُبذل في هذا المسار هو استثمار في مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا وتقدمًا.
ولا ننسى أن بناء الإنسان هو السبيل الأضمن لبناء وطن لا تهزه الأزمات، ولا تعصف به المتغيرات.
ونواصل





