
يومٌ آخر يمر على السودان، ويوم آخر يحمل معه رائحة الدم ومرارة الفقد. لكن هذه المرة، لم يكن المشهد معتادًا، بل كان صادمًا وموجعًا. ففي مدينة الفاشر، وبينما كانت أرواحٌ مؤمنة تصعد إلى بارئها في خشوع، استيقظت على صوتٍ مزق سكون الفجر، صوتٌ لا يحمل إلا الموت والخراب. قصفٌ غادرٌ بطائرة مسيرة استهدف المصلين وهم يؤدون صلاة الفجر في مسجد بحي أبوشوك، ليُسقط أكثر من 30 شهيدًا وعشرات الجرحى.
هذه ليست مجرد أرقام تُضاف إلى سجل الحرب الأسود، بل هي أرواحٌ أزهقت، وعائلاتٌ دُمرت، وأحلامٌ قُتلت. إنها جريمةٌ تتجاوز حدود الصراع المسلح، وتتعدى كل الخطوط الحمراء الإنسانية والأخلاقية. هل وصل بنا الأمر إلى أن نستهدف بيوت الله، وأن نُسيل دماء المصلين وهم في أقدس لحظاتهم؟
لقد تجاوزت هذه الميليشيا كل الأعراف والقيم، وضربت عرض الحائط بكل المواثيق الدولية والإنسانية. إن استهداف المدنيين، وخصوصًا في أماكن العبادة، ليس مجرد خطأ عسكري، بل هو عمل إرهابي جبان، يهدف إلى بث الرعب في النفوس وكسر إرادة الصمود.
ما حدث في الفاشر هو صرخةٌ مدوية في وجه الصمت الدولي. صرخةٌ تكشف مدى الوحشية التي وصل إليها هذا الصراع، ومدى استهتار أطرافه بأرواح الأبرياء. لم يعد الحديث عن سياسة أو سلطة، بل أصبح الحديث عن بقاء ووجود، عن حقٍ أساسي في الحياة والأمان.
إن المجزرة التي وقعت في الفاشر هي وصمة عارٍ في جبين الإنسانية، وتذكيرٌ قاسٍ بأن الحرب لا ترحم أحدًا، وأن ضحاياها الحقيقيين هم دائمًا من المدنيين العزل. متى ستنتهي هذه الكارثة؟ ومتى سيعود الفجر إلى السودان دون أن يحمل معه أنين الموت؟
إنهم يقتلون المصلين… أليس كذلك؟ نعم، يفعلون، وعلى ضمائرنا جميعًا أن تستيقظ قبل أن يقتلوا ما تبقى من الإنسانية فينا.





