هل حان الوقت لنكتب فصلاً جديداً في تاريخنا؟ ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

لقد مررنا جميعاً بتجارب مريرة ومؤلمة عبر تاريخنا المعاصر تجاربٌ قد تكون أسبابها مختلفة سواء كانت نتيجة صراعات داخلية أو استعمارية ولكنها جميعاً تشترك في كونها أثقلت كاهل الأجيال السابقة وحرمتها من بناء دولة موحدة قادرة على الاستمرار في وجه التحديات ورغم تحملنا المسؤولية التاريخية على عاتقنا لم نتمكن بعد من صياغة رؤى مستقبلية شاملة تُفضي إلى استقرار حقيقي ونمو اقتصادي مستدام.
شهدت بلادنا فترات من الانتعاش وإن كانت قصيرة ومحدودة عقب الاستقلال أو خلال تحولات سياسية متعاقبة إلا أن المشهد العام ظل مضطرباً لم ننجح برغم ما نمتلكه من خيرات وموارد حبانا الله بها في تأسيس دولة صامدة متماسكة قادرة على الاستفادة من هذه النِعم وتحويلها إلى منجزات ملموسة في حياة المواطن.
في المقابل هناك تجارب عالمية مُلهمة يجب التوقف عندها فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تكرر أخطاءها لكنه يُكافئ من يملك شجاعة المراجعة والإرادة الحقيقية لبناء مستقبل مختلف.
ألمانيا واليابان على سبيل المثال دُمِّرتا بشكل شبه كامل بعد الحرب العالمية الثانية ولكنهما لم تبقيا رهينتي الدمار اختارتا بناء الإنسان أولاً وتأسيس أنظمة تعليمية واقتصادية قوية حتى أصبحتا اليوم من أقوى اقتصاديات العالم وأكثر الدول احتراماً في مجال الابتكار والتكنولوجيا.
رواندا الدولة الإفريقية الصغيرة التي شهدت واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث استطاعت خلال عقدين فقط أن تتحول من بلد ممزق بالحرب الأهلية إلى نموذج إفريقي يُحتذى به في الاستقرار والنمو والتنمية المستدامة عبر إرادة سياسية قوية ومصالحة وطنية شجاعة وتركيز على التعليم وتمكين المرأة ومحاربة الفساد.
كوريا الجنوبية كذلك كانت من أفقر دول العالم في خمسينيات القرن الماضي لكنها آمنت بالاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والصناعة وها هي اليوم تقود الصناعات الإلكترونية والسيارات ويعيش شعبها في واحدة من أكثر الدول تقدماً في آسيا.
هذه التجارب لم تُصنع في ظروف مثالية بل على العكس وُلدت من رحم المعاناة والانكسارات لكنها أثبتت أن بناء الأوطان لا يحتاج إلى معجزات بل إلى وضوح في الرؤية وصدق في النوايا وحسن في الإدارة.
أليس من الأولى بعد كل هذه التضحيات أن نفكر في مستقبلٍ أكثر إشراقاً ووضوحاً لأبنائنا؟ أن نرسم لهم خريطة طريق واضحة يعيشون من خلالها في وطن آمن بدلاً من معاناة دائمة وتشتت لا ينتهي؟
من واجبنا أن نعيد طرح الأسئلة الصعبة لا بهدف جلد الذات بل بدافع الحب لهذا الوطن والرغبة الصادقة في أن نترك للأجيال القادمة تركةً مختلفة عن تلك التي ورثناها نحن اليوم ندفع فواتير لم نصنعها لكن من غير المقبول أن نورّث هذه الفواتير نفسها لأبنائنا.
إنَّ الإصرار على التغيير والابتعاد عن مسببات الفرقة والفشل هو الخطوة الأولى في بناء وطن يليق بنا وبهم وطن نعيد فيه الاعتبار لقيمة الإنسان ونُكرّس فيه العدالة ونمنح فيه الأمل لأولئك الذين وُلدوا ليعيشوا لا ليحملوا أعباء التاريخ إلى الأبد.
إن التاريخ لا ينتظر والأجيال القادمة ليست بحاجة إلى مجرد أحلام بل إلى أفعال إذا أردنا أن نكون جزءاً من مسيرة النجاح يجب أن نبدأ اليوم بتغيير ما يمكن تغييره وأن نضع نصب أعيننا الهدف الأسمى بناء وطن قوي موحد يليق بكل فرد فيه من خلال العمل الجاد والإرادة الصادقة والتخطيط السليم يمكننا أن نصنع مستقبلاً مشرقاً لأبنائنا ونبني لهم وطنًا يعكس عظمة الماضي وحكمة الحاضر وأمل المستقبل.





