صلاح غريبةمقالات الرأي
أخر الأخبار

ثورة المناهج: عندما يصبح التعليم درعًا للوطن – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

لم يعد التعليم مجرد عملية تلقين للمعلومات أو حفظ للمقررات الدراسية، بل أصبح أداة حاسمة في بناء الأجيال وتشكيل وعيهم، ودرعًا منيعًا يحمي قيم المجتمع ونسيجه الوطني. في ظل الظروف الراهنة والتحديات المتزايدة، يأتي قرار وزير التعليم والتربية الوطنية د. التهامي الزين حجر بتشكيل لجنة عليا لمراجعة مناهج التعليم العام في السودان ليؤكد على هذا الدور المحوري للتعليم. هذا القرار ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو خطوة استراتيجية تهدف إلى إحداث تحول جذري في منظومة التعليم، بما يجعلها أكثر استجابة لواقع البلاد وأكثر قدرة على مواجهة تحدياته.

إن المناهج الدراسية هي المرآة التي تعكس أهداف الأمة وتطلعاتها. فإذا كانت المناهج قديمة ومتقادمة، لا تواكب العصر ولا تتفاعل مع قضاياه، فإنها ستخرج أجيالًا منفصلة عن واقعها، غير قادرة على التفكير النقدي وحل المشكلات. ولذلك، فإن مراجعة المناهج وتطويرها بشكل دوري يُعد ضرورة حتمية.

هذه المراجعة ليست مجرد إضافة أو حذف لبعض الدروس، بل هي عملية شاملة تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الحيوية. أولًا، إنها تهدف إلى مواكبة التطورات الهائلة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يضمن أن يكون الطلاب على دراية تامة بمجريات الأمور وقادرين على فهمها. ثانيًا، تساهم هذه المراجعة في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، من خلال دمج قيم المواطنة والتعايش السلمي في المقررات، مما يساعد على محاربة خطابات الكراهية والعنصرية التي قد تهدد النسيج الاجتماعي.

إلى جانب ذلك، فإن تحديث المناهج يرفع من جودة التعليم بشكل عام، وجعلها متوافقة مع المعايير العالمية، مما يضمن تخريج طلاب مؤهلين للمنافسة على الصعيدين المحلي والدولي. كما أن هذه المراجعة تتيح فرصة لمعالجة أوجه القصور في المناهج السابقة، وتصحيح الأخطاء التي قد تكون قد أثرت سلبًا على مخرجات التعليم.

وفي عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تكتسب هذه المراجعة أهمية قصوى. يجب أن تُدمج في المناهج الدراسية مقررات متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، بما يضمن تزويد الطلاب بالمهارات التي يحتاجونها لسوق العمل المستقبلي. إن ربط التعليم بسوق العمل ليس رفاهية، بل هو ضرورة قصوى لتقليل معدلات البطالة وضمان أن يكون التعليم استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الأفراد والمجتمع.

وختامًا، فإن قرار وزير التعليم بتشكيل هذه اللجان هو بداية مبشرة لمرحلة جديدة في مسيرة التعليم في السودان. إنها فرصة ذهبية لتربية الأجيال على القيم الحقيقية مثل السلام والتسامح ونبذ العنف، وتجهيزهم بالمعارف والمهارات التي يحتاجونها لمواجهة تحديات المستقبل. لكن نجاح هذه العملية يتوقف على مدى الجدية في تنفيذها، ومدى إشراك مختلف الأطراف المعنية من معلمين، وخبراء، وأولياء أمور، لضمان أن تكون هذه المناهج الجديدة درعًا حقيقيًا للوطن، لا مجرد كتب تُحفظ وتُنسى.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام