الزراعة السودانية بين الإهمال والفرص الضائعة “ورقة التعافي التي لا نكتبها” ✍️ د. علاء عماد الدين البدري

رغم أن السودان يُعد من أغنى دول المنطقة من حيث الموارد الزراعية فإننا حتى هذه اللحظة لم نشهد رؤية واضحة أو جدولًا زمنيًا حقيقيًا لرسم ملامح مستقبل الزراعة في البلاد ومع كل الأحاديث المتكررة عن “سلة غذاء العالم” و”الكنز الزراعي” يبقى الواقع أبعد ما يكون عن هذه الشعارات.
في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يعيشها السودان تبرز الزراعة كخيار استراتيجي وأولوية وطنية ينبغي الالتفاف حولها إلا أن ما يحدث هو العكس تمامًا غياب تام لخطة واضحة وانشغال متزايد باتجاهات بديلة تعتمد في جوهرها على شراكات خارجية مرهقة سياسيًا واقتصاديًا تتطلب إرضاء الدول والشركات الأجنبية .
إن العمل على تطوير الزراعة خصوصًا في المناطق الآمنة لا يحتاج إلى مؤتمرات ولا صفقات معقدة بل إلى إرادة سياسية واستراتيجية وطنية واضحة مدعومة بإرادة مجتمعية حقيقية فلدينا الأرض والمياه والمناخ والأيدي العاملة… فما الذي ينقصنا إذن؟
لقد أنهكت الجبايات المزارعين في الفترات السابقة وأثقلت كاهلهم فترك كثير منهم الأرض وتوجهوا نحو مهن أخرى بحثًا عن الحد الأدنى من الاستقرار وهكذا تخلى السودان عن أحد أهم مصادر تعافيه الاقتصادي المحتمل بل وأكثرها سرعة واستدامة.
إذا ما نظرنا إلى إمكانيات السودان الزراعية بعيون الواقع لا العاطفة سنجد أن البلاد تملك أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة مع توفر المياه من الأنهار والمياه الجوفية ومناخ متنوع يسمح بإنتاج محاصيل متنوعة طوال العام هذه المعطيات وحدها تجعل من السودان واحدًا من أهم المرشحين ليكون مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير الغذاء.
الاستثمار الجاد في الزراعة يمكن أن يحقق عوائد ضخمة على عدة مستويات:
• الاقتصاد الكلي: الزراعة يمكن أن ترفع نسبة النمو الاقتصادي بشكل سريع وتخفّف الاعتماد على الاستيراد وتزيد من الصادرات خاصة إذا تم التركيز على المحاصيل النقدية كالقطن السمسم، الفول السوداني، والقمح.
• توفير فرص العمل: يمكن للقطاع الزراعي أن يستوعب مئات الآلاف من العمالة خاصة في المناطق الريفية مما يقلل من معدلات البطالة ويُحدث توازنًا في الكثافة السكانية بين المدن والريف.
• تحقيق الأمن الغذائي: من خلال إنتاج محلي مستقر يصبح السودان أقل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار السلع المستوردة.
• الاستقرار الاجتماعي : تمكين المزارعين وتحسين دخلهم يساهم في الحد من النزوح والهجرة من مناطقهم ويعزز السلم الاجتماعي في الريف.
لا يمكن الحديث عن تنمية زراعية حقيقية دون كسر الحواجز البيروقراطية ودعم المزارعين بالتمويل والتدريب والحماية من ارتفاع نسب الجبايات، المطلوب اليوم هو فتح آفاق جديدة للزراعة كمحرّك أساسي للاقتصاد وليس كقطاع هامشي يُستدعى عند الأزمات فقط.
إن إعادة النظر في هذا القطاع الحيوي تتطلب:
• إطلاق استراتيجية وطنية شاملة للزراعة، تتضمن جدولًا زمنيًا محددًا ومؤشرات قياس واضحة.
• توجيه الاستثمارات الوطنية إليه لا نحو المشاريع التي تربط القرار السوداني برضا الشركات الأجنبية.
• تشجيع المزارعين وتمكينهم عبر إزالة الجبايات وتوفير التمويل الميسر وتقوية البنية التحتية الزراعية.
• تحويل الزراعة إلى خيار اقتصادي جذاب للأجيال الجديدة بدلًا من تركها تتآكل في هامش الاهتمام الوطني.
في الوقت الذي تسعى فيه بعض الجهات إلى جذب استثمارات أجنبية في القطاع الزراعي علينا أن نسأل أنفسنا لماذا لا نبدأ بالاستثمار المحلي؟ ولماذا لا نتيح الفرصة للقطاع الخاص السوداني لقيادة هذه النهضة الزراعية؟ القطاع الخاص المحلي يتمتع بعدة مزايا تجعله الأحق بالدعم والتشجيع في هذه المرحلة:
• يعرف البيئة المحلية جيدًا ويدرك التحديات الواقعية ويملك علاقات مباشرة مع المجتمعات الزراعية.
• أقل كلفة من حيث متطلبات الدخول ولا يفرض شروطًا سياسية أو امتيازات حصرية كما تفعل بعض الشركات الأجنبية.
• عوائده تبقى داخل البلاد مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي ويعزز الدورة الاقتصادية الداخلية.
• أسرع في التحرك واتخاذ القرار بعيدًا عن البيروقراطية التي تعرقل كثيرًا من المشاريع الأجنبية.
تشجيع الاستثمار المحلي لا يعني إغلاق الباب أمام الاستثمارات الأجنبية بل يعني ترتيب الأولويات فحين يكون رأس المال الوطني موجودًا والفرصة قائمة والإرادة متوفرة فمن الأولى أن نمنح الثقة لأبنائنا ومؤسساتنا الوطنية.
ولعلّ من أهم وسائل الدعم في هذا الاتجاه:
• تسهيل الإجراءات القانونية والتراخيص.
• توفير حوافز ضريبية حقيقية.
• إشراك القطاع الخاص في وضع الاستراتيجيات الزراعية لا معاملته كمجرد منفذ.
الزراعة ليست مجرد قطاع اقتصادي بل هي خيار سيادي واستثمار في الاستقرار الوطني وإن كنا نبحث عن تعافٍ حقيقي للاقتصاد السوداني فلا طريق أقرب ولا أوضح من الاستثمار في الأرض والإنسان إن الزراعة فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن والقطاع العام والخاص وهذا لا يتم إلا بإعطاء الأولوية لمن هم أدرى بالوطن لا من ينتظرون المقابل السياسي أو الربحي أولًا.





