حجازية محمد سعيدمقالات الرأي
أخر الأخبار

غزة بين صمت الحكومات وصوت الشعوب: أيهما أصدق للإنسانية؟ ✍️ حجازية محمد سعيد

منذ أن بدأ العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن مجزرة جديدة، ودماء تسيل، وأطفال ينتشلون من تحت الأنقاض. ورغم هذا المشهد المروع الذي يهز الضمير الإنساني، تكتفي معظم الحكومات العربية بالصمت أو بيانات شجب تقليدية لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

غزة اليوم ليست بحاجة إلى كلمات جوفاء أو بيانات بروتوكولية، بل إلى أفعال توقف نزيف الدم. ومع ذلك، يظل الموقف العربي الرسمي غائباً، وكأن القضية لم تعد تعنيهم. لقد اعتاد الشارع العربي أن يرى قادته مترددين، يضعون حساباتهم السياسية فوق الاعتبارات الإنسانية، حتى تحوّل العجز إلى مشهد مألوف. وهذا هو الخذلان الأكبر، حين يرى الفلسطينيون أن أقرب الناس إليهم يتركونهم وحدهم في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.

 

وعلى النقيض، خرجت مئات الآلاف من الشعوب الغربية في مظاهرات عارمة، ترفع علم فلسطين وتهتف بحرية غزة. هؤلاء لم يجمعهم دين أو عرق أو جغرافيا، لكن جمعتهم القيم الإنسانية الرافضة للظلم. لقد أثبتوا أن الضمير الإنساني لا وطن له، وأن العدل لا يُقاس بالحدود ولا بالسياسة، بل بالموقف من المظلوم.

إن مشاهد الشوارع الغربية المليئة بالمتظاهرين من مختلف الأجناس والأديان، صارت صفعة على وجوه الحكومات العربية الصامتة، وكأن الغرب يذكّر العرب أنفسهم بمسؤولياتهم تجاه قضية عمرها أكثر من سبعين عاماً.

 

تستمر إسرائيل في قصفها، واثقة أن لا رادع عربياً سيقف أمامها، وأن أقصى ما يمكن أن تواجهه هو بيانات شجب باردة أو دعوات لا تجد طريقها للتنفيذ. هذا الصمت الرسمي هو ما يشجع الاحتلال على التمادي، لأنه يعرف أن الكلمة وحدها لا توقف قذيفة، وأن الموقف السياسي المشتت لا يحمي حياة إنسان.

 

إن المشهد اليوم يضع الأمة كلها أمام مسؤولية تاريخية. فإذا خرجت شعوب الغرب بمئات الآلاف تضامناً مع غزة، فما بال الشعوب العربية والإسلامية أقرب الناس للقضية، تكتفي بالمشاهدة خلف الشاشات؟

لقد آن الأوان أن يتحرك الشارع العربي والإسلامي بكل قوة، أن يملأ الساحات والشوارع رافعاً صوت الحق، مطالباً بوقف العدوان، ومؤكداً أن فلسطين ليست وحدها. المظاهرات الشعبية لا تُسقط الصواريخ، لكنها تسقط صمت الحكومات وتضعها أمام مسؤولياتها، وتوصل رسالة إلى العالم بأن

غزة اليوم ليست مجرد مدينة تُقصف أو أرض تُحاصر، بل هي مرآة تكشف حقيقتنا جميعاً: تكشف ضعف الحكومات، وقوة الشعوب، وتفضح زيف من يتحدثون عن القيم الإنسانية ثم يصمتون عن أبشع الجرائم.

 

لقد آن الأوان أن ندرك أن صمتنا لا يحمي كرامتنا، وأن تفرّقنا لا يخدم سوى الاحتلال. إذا كانت الشعوب الغربية قد خرجت لتقول “لا للظلم” من أجل فلسطين، فإننا أولى أن نقولها بأعلى صوت، وأن نترجمها إلى فعل في الميادين والساحات، إلى ضغطٍ على الحكومات، وإلى وحدةٍ تليق بأمة تدّعي أنها تحمل همّ القدس وغزة والأقصى.

 

فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية كل عربي ومسلم، بل قضية كل إنسان يؤمن بالعدل والحرية. وإن دماء أطفال غزة التي تملأ الشاشات اليوم، ستظل شاهداً على من وقف ومن صمت، وعلى من أدّى واجبه ومن تخاذل.

 

إن غزة لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط أن لا تُترك وحيدة، وأن تسمع صوت أمتها خلفها. فهل نخذلها مرة أخرى، أم ننهض لنثبت أن فلسطين ما زالت تسكن قلوبنا، وأن الكرامة العربية والإسلامية لم تمت بعد؟

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام