صلاح غريبةمقالات الرأي
أخر الأخبار

شباب السودان… قادة المستقبل في زمن التحول الرقمي وإعادة الإعمار – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يواجه السودان اليوم تحديات غير مسبوقة تقتضي تجاوز الصراعات المزمنة والمضي قدمًا نحو التنمية المستدامة. في خضم هذه المرحلة الحاسمة، يبرز “جيل زد” السوداني، وهو الجيل الذي ولد وترعرع في عصر الثورة الرقمية، كقوة دافعة ومحورية لا يمكن تجاهلها. هذا الجيل، الذي تغلغل الإنترنت في نسيج حياته، لا يحمل فقط أعباء الماضي، بل يحمل أيضًا مفاتيح المستقبل؛ مستقبل يتميز بالسلام الرقمي، والنهضة المعرفية، وإعادة بناء الوطن على أسس حديثة.

يتمتع جيل زد السوداني بخصائص فريدة تجعله مؤهلاً لقيادة مرحلة بسط السلام والتوافق والحوار. على عكس الأجيال السابقة التي عانت من الاستقطاب السياسي التقليدي، نشأ هذا الجيل على مفاهيم العالمية والاتصال الفوري، وهو ما يجعله أقل عرضة للانقسامات القبلية والجهوية

استخدم شباب جيل زد السوداني منصات التواصل الاجتماعي ببراعة الدبلوماسية الرقمية لنشر الوعي بضرورة السلام، وتوثيق الانتهاكات، وكسر حواجز الكراهية. لقد حولوا الهواتف الذكية إلى أدوات فعالة للمقاومة المدنية والدعوة للوحدة، حيث ساهموا في تشكيل رأي عام دولي مساند لقضاياهم.

يمتلك هذا الجيل مرونة فكرية أكبر في تقبل الآخر، مستفيدًا من انفتاحه على الثقافات العالمية عبر الإنترنت في تبني ثقافة الحوار والشمول. هذا الانفتاح هو حجر الزاوية في بناء عملية حوار وطني شامل وعادل يتجاوز المصالح الضيقة ويركز على المستقبل المشترك.

إن دمج الشباب في أي مسار تفاوضي مستقبلي ليس خيارًا، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استدامة أي اتفاق سلام.

عملية إعادة إعمار السودان لا تقتصر على ترميم الجسور والكباري والمباني المدمرة، ونظافة الخرطوم، بل هي بالأساس مشروع لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وهنا يتجلى دور جيل زد بأبعاده المتعددة في قوة العمل المتجددة، حيث يمثل هذا الجيل الكتلة الكبرى والأكثر حيوية، وهو المؤهل لسد الفجوة في القوى العاملة الماهرة والمدربة. إنهم القادرون على تنفيذ مشاريع الإعمار والبنية التحتية التي قد تستغرق سنوات.

بفضل وعيهم الرقمي، يمكن لجيل زد أن يكون الحارس الرقمي لعمليات الإعمار، عبر استخدام التكنولوجيا لضمان الشفافية ومكافحة الفساد، وتوثيق مراحل المشاريع، مما يحول دون تكرار أخطاء الماضي، بجانب أدوارهم المتعاظمة في النهوض الاقتصادي والبيئي، فهم يمتلكون رؤية واضحة لأهمية دعم الزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة كقاطرة للنمو، وإصلاح المؤسسات العامة لتعزيز الشفافية. كما أن وعيهم بالقضايا العالمية، كالتغير المناخي، يجعلهم روادًا في إدخال حلول الطاقة المتجددة والممارسات المستدامة في عملية الإعمار.

إن جيل زد هو “الجيل الرقمي الأصلي” (Digital Native) في السودان، لم يعرف عالمًا بلا إنترنت. هذه الميزة تجعله القوة الدافعة للنهضة المعرفية والرقمية، وقيادة عملية رقمنة التعليم، وتوفير المحتوى التعليمي عبر الإنترنت، وتدريب الأجيال الجديدة على المهارات الرقمية المطلوبة في سوق العمل العالمي.

يستطيع هذا الجيل، من خلال مهاراته في البرمجة وتصميم المحتوى وإدارة البيانات، بناء اقتصاد معرفي والابتكار الاقتصادي لا يعتمد فقط على الموارد الطبيعية. لقد بدأوا بالفعل في ابتكار فرص عمل جديدة عبر الإنترنت والمساهمة في الاقتصاد العالمي وهم في أماكن نزوحهم.

هم صانعو المحتوى وموثقو الأحداث من خلال الإعلام الجديد والوعي، ويحملون على عاتقهم مسؤولية تشكيل الوعي العام وتصحيح المعلومات المضللة (Disinformation)، مما يعزز الثقافة المدنية والديمقراطية.

يُشكل تجمّع جيل زد السوداني في مصر، وغيرهم من دول الجوار، فرصة لا تُعوَّض لإعداد “نخبة العودة” ذات الخبرة والمهارة العالية. يجب تحويل هذا التواجد المؤقت إلى معسكر تدريبي ومختبر للخبرات يضمن عودتهم للوطن كقادة مؤهلين،ففي محور التنظيم المؤسسي بمقترح تأسيس “منصة تنسيق العودة” بإشراف سوداني-مصري وشركاء دوليين. يجب أن تكون هذه المنصة شبكة مهنية ومعرفية تجمع الكفاءات وتخطط لمرحلة ما بعد الحرب.

في محور التدريب المهني ضرورة إطلاق “برامج بناء المهارات لسوق إعادة الإعمار” التي تركز على مجالات حيوية مثل إدارة المشاريع، تكنولوجيا المعلومات، الطاقة المتجددة، إدارة الأزمات، والصحة العامة. الشراكة مع الجامعات والمراكز المهنية المصرية أمر بالغ الأهمية.

في محور التأهيل المعرفي والثقافي تنظيم “منتديات الحوار والتوافق السوداني” لتعزيز الوحدة الوطنية، وتدريب الشباب على آليات العدالة الانتقالية والحوكمة الرشيدة، وربطهم بالواقع السوداني عبر مشاريع بحثية عن بُعد

في محور التمويل وريادة الأعمال إنشاء “صندوق دعم العودة” لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يقودها الشباب العائد في السودان، مع التركيز على الابتكار التقني وريادة الأعمال الخضراء

إن الاستثمار في جيل زد السوداني المتواجد في مصر والدول الأخرى هو استثمار في المستقبل السوداني؛ فهم ليسوا مجرد نازحين ينتظرون المساعدة، بل هم رأس مال بشري اكتسب خبرات ومهارات جديدة في بيئات مختلفة، مما سيجعل عودتهم إضافة نوعية قادرة على تسريع عجلة النهوض.

السودان اليوم على مفترق طرق: طريق الماضي الذي يحكمه الصراع والعسكرة، وطريق المستقبل الذي يبنيه جيل شاب واعٍ، متصل بالعالم، ومؤمن بالسلام والتنمية. إن تمكين جيل زد السوداني وتوفير البيئة الآمنة والداعمة لهم هو الضمانة الوحيدة لتحويل مرحلة ما بعد الصراع إلى نهضة شاملة، حيث يتحول التراب والدمار إلى منصة للابتكار والتعايش. مستقبل السودان ليس مجرد حلم، بل هو مشروع بناء يشارك فيه هذا الجيل بفاعلية وشجاعة لا تلين.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام