خالد محمد الباقرمقالات الرأي
أخر الأخبار

مدينة السراب” ، حين يغيب الوعي ويموت الضمير .. – علي نـــار هادئـــــــة – ✍️ خالد محمـد الباقــر 

⭕ في مدينة “الأمل المنسي”، حيث تتشابك دروب الأسواق القديمة مع أبراج الإسمنت الجديدة، كان يعيش “أبو العز” و”أبو الغش”. الأول، أبو العز، كان رجلاً بسيطاً يحمل في قلبه طيبة الأجيال، يعمل في بيع الخضروات في طرف السوق، لا يعرف حيلة سوى الكد والتعب. كان حلمه الوحيد أن يوفر ثمن علاج زوجته المريضة.

⭕ أما الثاني، “أبو الغش”، فكان يمتلك واجهة مكتب فاخر في وسط المدينة، ويتحدث عن الاقتصاد والاستثمار بلغة منمقة، ولكنه في الحقيقة كان تاجر نفوذ وخداع. كان شعاره: “الفرصة لا تنتظر الأتقياء، بل الأذكياء الذين لا ينامون ليلهم”.

 

الفصل الأول :

 

⭕ فخ الحاجة وغياب الرقابة ،

اكتشف أبو الغش أن قطعة الأرض التي يملكها أبو العز، وتعد مصدر رزقه الوحيد، تقع في مسار مشروع تجاري ضخم سيمر من المنطقة. بالنسبة لأبي الغش، كانت هذه فرصة ذهبية للاستغلال.

⭕ في أحد الأيام، زار أبو الغش أبا العز بثياب أنيقة ووجه يقطر وداً مصطنعاً. قدم له عرضاً سخيفاً لشراء قطعة الأرض، مستغلاً جهل أبي العز بقيمة الأرض الحقيقية وتفاصيل المخططات الجديدة للمدينة، فكان ذلك غياباً للوعي بقيمة الممتلكات وتفاصيل الحياة المدنية المعقدة.

⭕ قال له أبو الغش بنبرة واثقة يفتقدها الضمير الإنساني : “يا حاج، هذه الأرض لا تصلح إلا لبيع الخضار، وأنا سأساعدك، خذ هذا المبلغ القليل، فهو خير لك من الانتظار سنوات طويلة. سأنجز لك معاملة الأرض بسرعة بما لي من نفوذ في الدوائر الحكومية، بدلاً من أن تُسحق تحت عجلات الروتين والبيروقراطية.”

وبالفعل، استغل أبو الغش جهل أبي العز بالخلفية القانونية والإدارية (وهو مظهر من مظاهر غياب الثقافة السلوكية في التعامل مع المؤسسات)، كما استغل حاجته الماسّة لعلاج زوجته، فمارس عليه ضغطاً نفسياً تحت قناع المساعدة. في غياب أي رقابة فعلية تمنع الاحتيال باسم القانون، وتحت تأثير الوعد الكاذب بالحل السريع، اضطر أبو العز إلى التوقيع بقلب منكسر.

 

♨️ الفصل الثاني :

 

⭕ مرت شهور قليلة، وانهار ما تبقى من براءة في مدينة الأمل المنسي. تحولت قطعة الأرض إلى برج شاهق، أعلن أبو الغش عن أرباح خيالية جناها بفضل “ذكائه الاستثماري”، وكيف أنه “خلق الفرصة” من حيث لا يحتسب الآخرون.

أبو العز، بعد أن نفد منه المال، سُحق تماماً، وفقد زوجته بسبب المرض وعجزه عن توفير العلاج. لم يجد من ينتصر له، فقد كانت أجهزة الدولة المعنية بالرقابة إما غائبة، أو متواطئة، أو أرهقها الفساد الذي يغذيه أمثال أبي الغش. لقد ساد شعار “من لا يملك قوة أو واسطة أو علاقات تُبيح له سحق الغلابة، فليتحمل مرارة الحياة”.

⭕ لم يقتصر موت الضمير على المعاملات الكبرى. بل تفشت الظاهرة في كل ضروب الحياة .

⭕ في ركن السوق، كان البائع “المتحايل” يخلط الماء باللبن والتراب بالوزن ليحقق مكسباً سريعاً، مستغلاً غياب الوعي لدى المستهلك وضعف الوازع الديني .

⭕ في الدوائر الحكومية، كان الموظف يطلب “الشاي” أو “الإكرامية” لإنجاز معاملة هي في الأصل من صميم واجباته ، فكان استغلالاً للسلطة والنفوذ الصغير .

⭕ على الطرقات، كان السائق يرمي القمامة دون تردد، معتقداً أن النظافة مسؤولية البلدية فقط، مما يعكس غياباً حاداً للثقافة السلوكية تجاه البيئة والمجتمع.

⭕ كانت “مدينة السراب” قد غرقت في مستنقع موت الضمير والخداع؛ فالكل أصبح يركض نحو الفرصة الأنانية، متجاهلاً أن نماء الفرد يقوم على سلامة الجماعة.

 

🔥حروف علي النار 🔥

 

⭕ أدرك أهل المدينة، ولكن بعد فوات الأوان، أن غياب الوعي السلوكي هو الهاوية التي سقطوا فيها. لم تكن المشكلة في أبي الغش وحده، بل في صمت المجتمع وقلة الوعي لديه، الذي سمح لأمثال أبي الغش بالصعود .

⭕ إن المجتمع الذي يتنازل عن الوعي الثقافي والسلوكي، ويسمح بموت الضمير، ويغفل عن رقابة ذاتية ومؤسسية فاعلة، سيجد نفسه في نهاية المطاف في مدينة “السراب”. حينها، يصبح القوي هو المستغل، والضعيف هو الضحية المسحوقة. فالفساد ليس مجرد سرقة مال، بل هو تآكل للقيم والأخلاق، يبدأ بغياب ثقافة احترام الذات واحترام الآخر، وينتهي بسحق حقوق الأبرياء في وضح النهار .

⭕ إعادة بناء الحياة السودانية لا تبدأ فقط بتغيير القوانين، بل بغرس الوعي السلوكي، وإحياء الضمير الجمعي، وترسيخ ثقافة احترام الحق والعمل الصالح، لنتحول من مجتمع يقوم على “استغلال النفوذ” إلى مجتمع يحكمه “احترام المسؤولية والنزاهة”.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام