صلاح غريبةمقالات الرأي
أخر الأخبار

خارطة طريق التنمية الصحية في السودان ما بعد الحرب – شئ للوطن – ✍️ م.صلاح غريبة

يمثل القطاع الصحي في السودان بعد الحرب محكًا حقيقيًا لإرادة التعافي والصمود الوطني، وتحويل التحديات المعقدة التي أفرزها الواقع الاجتماعي والاقتصادي إلى فرص لإعادة البناء. إن الرؤى التي طرحت خلال المنتدى القومي لشركاء قطاع الصحة، الذي انعقد تحت شعار “جسر الصحة من الاستجابة نحو التعافي والاستدامة”، تشير إلى انتقال مدروس من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى وضع استراتيجيات شاملة للتنمية الصحية المستدامة.

في قلب عملية التعافي يقف “الجيش الأبيض” من الكوادر الصحية، التي شكلت عماد الصمود في المرحلة الماضية. لقد أكد القائمون على الأمر أن هذه الكوادر تمثل الركيزة الأساسية للتنمية الصحية المنشودة. هذا التقدير يعكس وعيًا بأهمية المورد البشري كأصل لا يقدر بثمن، وضرورة دعم هذه الكفاءات وتمكينها لتكون قادرة على حمل عبء إعادة الإعمار والتوسع في الخدمات. فصحة الإنسان هي الركيزة الأساسية لأي تنمية مستدامة، ولا يمكن تحقيقها دون كوادر مؤهلة ومحفزة.

تؤكد التصريحات الرسمية أن السودان قد بدأ بالفعل في الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. هذا التحول يستلزم وضع خطة شاملة لإعادة الإعمار، يتم تنفيذها عبر مشاريع مرحلية بالتعاون الوثيق مع وكالات الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين. الهدف الأسمى لهذه الخطة هو تحقيق التغطية الشاملة بالخدمات الصحية لجميع المواطنين.

هذا الطموح يتطلب الحوكمة والتنسيق المحكم، حيث أكد المتحدثون على أن إدارة الموارد الشحيحة، وهو واقع ما بعد الحرب، تتطلب قيادة رشيدة وحوكمة فعالة وتنسيقًا محكمًا بين مختلف القطاعات. وقد شدد على ضرورة إعادة هيكلة منصات التنسيق لبناء منظومة صحية تتسم بالمرونة والفاعلية في الشراكة وتأمين التمويل، حيث يمثل الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص حجر الزاوية لتأمين تمويل مستدام يضمن استمرارية الخدمات. الدعوة إلى تفعيل “الشراكات الذكية” تؤكد أن الاستثمار في الصحة مسؤولية وطنية جماعية تتطلب حلولًا مبتكرة وتكاملًا في الأدوار.

لقد أفرزت الحرب واقعًا اجتماعيًا معقدًا. لذا، لا يمكن فصل التنمية الصحية عن التنمية البشرية والحماية الاجتماعية. التركيز على برامج التوعية والتثقيف ونبذ خطاب الكراهية وتعزيز التماسك الاجتماعي، إلى جانب تسهيل العودة الطوعية للنازحين، يمثل جزءًا لا يتجزأ من الخطة الكلية للتعافي، حيث يتم تحويل التوصيات إلى برامج عملية تدمج بين الصحة والحماية والتنمية.

للإعلام دور لا يستهان به كشريك استراتيجي في دعم الخطط الصحية والترويج للبرامج الوطنية. التأكيد على أهمية توحيد الرسائل الإعلامية يهدف إلى خدمة قضايا الصحة العامة والمساعدة في تنفيذ استراتيجيات التوعية والتثقيف التي تهدف إلى إعادة بناء النسيج الاجتماعي ودعم العودة إلى الحياة الطبيعية.

ترتكز عملية الانتقال من الاستجابة إلى الاستدامة في القطاع الصحي على معالجة تحديين محورين; تأمين التمويل المستدام، وتحديد الدور الفعال للمنظمات الدولية في مرحلة التعافي، يواجه القطاع الصحي في السودان تحديات تمويلية حادة ناجمة عن آثار الحرب والواقع الاقتصادي المعقد. الإطار العام الذي طرحه المنتدى يسلط الضوء على ضرورة التحول من الاعتماد على التمويل الطارئ إلى بناء منظومة تمويل مرنة ومستدامة.

الحرب أدت إلى تدمير البنى التحتية الصحية وتشريد الكوادر، مما فاقم من شُح الموارد المتاحة، بينما زادت الاحتياجات الصحية للسكان، خاصة النازحين والمتضررين. هذا التفاوت يخلق فجوة تمويلية هائلة يصعب سدها بالجهود الحكومية وحدها. التمويل في مرحلة ما بعد الحرب يميل غالباً إلى التركيز على الاستجابة الطارئة (مثل الإمدادات الدوائية الأساسية وعلاج الإصابات). التحدي يكمن في تحويل هذا التمويل ليخدم أهداف التنمية طويلة الأجل، كإعادة بناء المستشفيات المهدمة، وتأهيل الكوادر، وتمويل برامج التغطية الصحية الشاملة.

يشير التوجه إلى تفعيل “الشراكات الذكية مع القطاع الخاص” كحل للتمويل المستدام. هذا يتطلب بيئة استثمارية جاذبة، وعلى الرغم من الحرب، يجب خلق آليات تضمن للقطاع الخاص عوائد مستدامة وتشجعه على الاستثمار في الخدمات الصحية والتقنيات الطبية. والبحث عن حلول تمويلية تتجاوز الاعتماد على الموازنة الحكومية أو المساعدات المباشرة، مثل صناديق التكافل الصحي، أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة وتشغيل المنشآت، وإن الدعوة إلى “القيادة الرشيدة والحوكمة الفعالة” تعكس وعياً بأن شُح الموارد يتطلب إدارتها بأقصى كفاءة وشفافية. ضمان وصول التمويل إلى المناطق الأكثر احتياجاً، ومنع الهدر والفساد، هو شرط أساسي لنجاح أي خطة تمويلية.

تلعب المنظمات الدولية (وكالات الأمم المتحدة، المنظمات غير الحكومية الدولية، المانحون الإقليميون) دوراً حاسماً، لكن هذا الدور يتطلب إعادة هيكلة ليتناسب مع مرحلة التعافي والاستدامة، عادة في مرحلة الأزمة، غالباً ما تضطلع المنظمات الدولية بـالتنفيذ المباشر للخدمات. في مرحلة التعافي، يجب أن يتحول دورها إلى دعم بناء القدرات الوطنية والمساعدة في تأهيل وتدريب الكوادر الوطنية، ودعم الهياكل الإدارية للوزارة، وتوجيه التمويل نحو الأولويات الوطنية، كالتغطية الشاملة وإعادة البنية التحتية، بدلاً من التركيز على المشاريع المعزولة.

أشار المنتدى إلى ضرورة “إعادة هيكلة منصات التنسيق”، مما يعكس تحدياً في إدارة العلاقة بين الحكومة والشركاء الدوليين. بهدف توحيد الجهود لضمان أن عمل المنظمات يتكامل مع الخطة الوطنية الشاملة لإعادة الإعمار، وتجنب الازدواجية في الخدمات، وتأسيس آليات تنسيق قوية وشفافة تضمن التزام المنظمات بالأولويات التي تحددها الحكومة، وتسهيل الإشراف والمتابعة الوطنية.

المنظمات الدولية مدعوة لدعم بناء “جسر شراكة حقيقي يعبر من الاستجابة إلى الاستدامة”. هذا يعني تسهيل الشراكة بين القطاعات باستخدام نفوذها لربط القطاع الصحي بالقطاعات الأخرى (مثل المياه، الأمن الغذائي، والحماية الاجتماعية) لضمان نهج متكامل للتنمية البشرية، والعمل كجسر بين الحكومة والمانحين العالميين و الإقليميين لتأمين التزامات تمويلية طويلة الأجل تضمن استمرارية الخدمات، بدلاً من التمويل قصير الأجل الذي يركز على الطوارئ.

باختصار، يكمن التحدي في خلق وثيقة وطنية مرنة توزع الأدوار والمسؤوليات، وتستخدم الدعم الدولي كأداة لتمكين الأنظمة الوطنية الصحية بدلاً من استبدالها.

في الختام، يمثل الملتقى خطوة تاريخية تهدف إلى إنتاج وثيقة وطنية مرنة توزع فيها الأدوار والمسؤوليات بين الشركاء وفق أولويات المرحلة. الشعار الذي رفعته البلاد في المحافل الدولية “نقاوم وننتصر” يؤكد أن الإرادة الشعبية والصمود يمثلان القوة الدافعة ليس فقط للصراع، بل وعملية التنمية الشاملة التي تضع الصحة في مقدمة أولوياتها. النجاح في تنفيذ مخرجات هذا المنتدى عمليًا في الميدان هو ما يجسد فعليًا الانتقال من “جسر الاستجابة” إلى “بناء التعافي والاستدامة” في السودان.

ياسر كمال

مدير عام شبكة زول نت العالمية ومدير عام منظومة كونا التقنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



انضم الى لقناة (زول نت) تلقرام